أبا الطيّب.. ألا نكونُ في غيرِه؟

24 يونيو 2009

في حمى القبيلة سأنشدُ واقفًا:
لا تجسرُ الفصحاء تنشد ههنا .. بيتا ولكنّي الهزبر الباسلُ
قطعتُ القبيلةُ رأسَ كلِّ هزبرٍ باسلٍ

بينا أنا أحلق ذقني في الصباح، نظرتُ إلى وجهي في المرآةِ، كنتُ أحاولُ أن أجدَ وجه الشبهِ بين وجهي ووجهِ أمّي، ولم أجد شيئا .. قالَ لي الرجلُ البدويّ يومًا: وش يقرب لك محمد أبو شنب؟ فقلتُ: هو أبي.. قالَ: سبحان من وضع هذا الشبهَ بينكما.. لا أذكرُ أنّ امرأةً قالت لي: وش تقرب لك مريم بنت عبد الله. لكن بعض النساء قلن أنّ شبهًا حاصلٌ بيننا ..

بينا أنا أحلق ذقني في الصباح، نظرتُ إلى وجهي في المرآةِ، وسألتُ نفسي: هل يعرفنَ وجهي هذا؟

وصلَتْ شفرة الحلاقةِ إلى أطرافِ شاربِي لأحدده، تذكّرت أنني لن أقابلَ أبي ولا شيخَ القبيلة اليوم، فحلقته دون تردد. وبكيتُ قليلا على ما هوى معه من أمجاد تليدةٍ، ثم تجاوزتُها. فعادتِي ألا أعطي البكاءَ أكثر من وقته، سبق وأن بكيت على الرجال والنساءِ، ولم يبكِ عليّ أحدٌ، وقد قال عبد الكريم المعتوق: لن تحزن امرأة عليك أغير أمك تبتغي حزنًا؟!

وأودّ لو أن أمي لا تحزن أبدا، أود لو أنني لا أغضبها، لو أنني أقبل الزواج الليلة، ولكنني فُطرتُ على التمرّد، والغياب، كأن شأني شأن أبي الطيّب المتنبي:
لا أقمنا على مكانٍ وإن طا .. ب ولا يمكنُ المكانَ الرحيلُ
شأني شأن المهاجرِ والغائبِ والراحل، أمرّ بالأطلال فأبكي واقفًا، ثم أتدارك نفسي وأجلس كيما يضحكَ عليّ أبو نواس.

أزيلُ شاربي بشفرة الحلاقة، ولا أكثر البكاء على ما ضاع معهُ من الماضي، لأنّ أنثًى تقفُ هناك على قمة الهاوية، تنتظرني لنسقطَ مرّةً واحدةً فلا نصعدَ، هل أتّبعُها يا أبا الطيب؟ أبو الطيب يصرخ بي: أكُلُّ فصيح قال شعرًا متيمُ؟! لا يا أبا الطيّب، هي الكثافة الشعرية. هي الكثافة.

وقفتُ وقوفًا عظيمًا على بلادٍ من رحيلٍ [ على قلقٍ كأن الريحَ تحتي ] فقلبتني وعبثت بي .. جنوبا أو شمالا. وآه منكَ يا جنوب! يا جنوبُ يا جنوبُ .. هلْ لي بأرضٍ جنوبيّة بلا بشرٍ؟ خضراءَ مليئةٍ بالخوخِ والتين، جنوبيّةِ النسمةِ طيّبة الثمار والفاكهةِ.. هل لي بها يا جنوب؟! سأقفُ بها وفي حمَى القبيلة سأنشدُ نشيدًا عن المجدِ القديم والمجدِ اللاحق، عن الأملِ وأحلامي، عن الغيث الذي يقتل ولا يحيي أرضًا ميتًا، عن الحب عن الغياب عن الخيبة عن النصر عن الفخر عن الصولات الفحولية والمواقف التي تذكرني بها الرجال والإناث.

في حمى القبيلة سأنشدُ واقفًا:
لا تجسرُ الفصحاء تنشد ههنا .. بيتا ولكنّي الهزبر الباسلُ
قطعتُ القبيلةُ رأسَ كلِّ هزبرٍ باسلٍ، فإن نجا واحدٌ قتلتهُ عيون في طرفها حورٌ ومثّلت بجسدِه! الله مولانا .. الله مولانا ..

أبا الطيّب .. ألا نكونُ في غيره؟ ألا نكون؟ كيف نستريحُ بالفلاةِ والهجير ونتعب بالإناخة والمقام؟! اليومَ أقفرتِ المنازل والقلوبُ، أقفرتِ الدقائق والمواعيد، وأقفرنا من الماضي ومن كل شيءٍ أيّها الصائحُ المحكيّ، أنا كذلكَ: صائحٌ محكيّ، وأنا الصدى.. وقد مشى أواخِرُنا على هام الأوالي..

مشينا على هام الأوالي، وحملنا عنهم أوزارهم، بحثًا عن أكسيرِ الحياة، وسنجدُه حتمًا، ولو كان في المشقّةِ.

هُدنة 3

4 يونيو 2009

الجزء الثاني هُنا: هُدنة 2

(( اغفِري لي حبيبتي غدَراتي، كمَا أغفرُ لأولئكَ الذينَ غدروا بِي ))

غنّيت لكَ ولهنّ، غنيتُ لها [ الله يعلم .. اني حاولت .. حاولت ] تحمّلتُ أعبائي وأعباءهَا، لستُ أهلوِسُ، ولستُ أعبدُ الشمس.

وأنتَ أيضًا لا تعبدِ الشمسَ، لكنِ حذارِ أن تعصِهَا جهرًا! هي تشرقُ من صدرِ الزير وتسطعُ في سماء الغرفة .. إن استطعت قيادةَ سيّارتِك خلسةً في الظلام، تنجُ؛ قدْ سيّارتَك بسرعةٍ وتهوّر ما لم يترصّد بكَ شرطيّ المرور.

قد لا أحسنُ الوصفَ لكَ يا عزيزي، لا تلمني؛ أنا لمْ أولد على رصيفِ هذهِ الصفحةِ، ولم أكن دليلاً يومًا، لكنّ ذاكرتِي مكتظّة بالتفاصيلِ. لستُ أصبّ شيئًا في أذنك، ولا أغريكَ [ إغراءَ النصيحِ الفاجر ]، لا أهوّنُ عليكَ أمسَك ولن أحذّرَك غدَك، إنّها ذاكرتِي يا عزيزي .. مكتظّةٌ بالتفاصيل:
وجةٌ جميلٌ، ووجهٌ قبيحٌ، فخذْ منهما قوتَ الكفافِ، شيئًا تقيمُ به شِعْرَك.

قدْ سيّارتَك في شارعِ جرير، حتى إذا وصلتَ تقاطع شارعِ بيدمونت، خذ يسارًا، وسر في هذهِ الطريقِ التي تتقابَلُ فيها التناقُضاتُ، تباينْ فيهِ ما استطعت.

[ تبصّر خليلي ] تجدْها واقفةً هناكَ، في الجنّة التي تطلّ على الهاويةِ .. تبصّر خليلي، وإذا عرفتَها قلْ لها: أريدُ حبًّا يقضى عندَ الفجرِ، لا حبًّا مؤسسًا، أحملُ قلبي في كفّي، ولا أستطيعُ استهلاكَه كثيرًا.

خذها إلى الشِّعْرِ، صُبّ لها الماء الباردَ، وعطّرها بعطرٍ قديمٍ، جان بول جوتيه كفيلٌ بمناخٍ خاصٍ، وخذها إلى الشِّعْرِ، الشِّعْرِ في صوتِك ذي النّبرةِ الغامضةِ، كن غامضًا أكثرَ! [ ولا تسلكِ الطرقَ الواضحة ].

لا تفسّر لها الرموزَ ودعها تحاولُ أن تجوبَ المدى وتحدّدَ الجماليات، تبصّرْ خليلي، واشرب كأسَك دونَ أن تدّقَّها بكأسِها، ثمّ غنِّك كأمّي، كأمّكَ، كنِ انتقائيًا فلا تكنْ أغنيتُك عنِ اللقاء أوِ الرحيل: توخَّ الحيادَ، توخَّ الحياد.

وإنِ ازورّت عنكَ وجحدَت، تقنّع بحديثِ شاعرِ أولمب، وأنشِدْ قصيدةَ الزمانِ ونشيدَ الماضِي وغناءَ السّلف، واخترْ لها صورةً واسمًا من عندِك. ثمّ ودّعها بابتسامةٍ ذابلة.

قدْ تصفّقُ إعجابًا بأيِّكُما، وتقولُ: أعرفُ هذا الوجهَ. قلْ: هذا لقاءُ الغرباءِ. لا تبدِ ابتهاجًا ولا تُظهرِ الخوفَ، وإنْ بالغَتْ فاقرصْ أذنكَ وأذنَها.

نادِ باسمِها مرّةً أخيرةً، قد لا تجيبُك. لنْ تجيبَكَ! غنِّ يا أوديبُ غنّ: سلامًا على الراحلين .. سلامٌ على الذاكرين.

تبصّر خليلي، آخرُ أغانِيكَ تختبئُ خلفَ رؤياكَ، لم يحنْ موعدُها بعدُ، بينالوب لم تنتظرْ عوليس، بينالوب لم تنتظرْ أحدًا. تبصّرْ خليلي وقدْ سيّارتَك تجدْ بِنتًا جالسةً تحتَ النخلةِ، تلعبُ قليلاً، وتكبُرُ بسرعةَ البرق، فتحبلُ، فتلدُ، ولا تهزّ بجذعٍ، إنّما تسقطُ رطبةٌ ولا تفكّرُ بالجاذبيّة، بل تقسمُ الرطبةَ نصفينِ: نصفًا لرضيعِها ونصفًا له كيمَا يغصَّ بها، تقسِمُ قلبَها نصفينِ: نصفًا لرضيعِها ونصفًا تردّ بهِ الأغبرة.

قم يا عزيزِي، أغلقْ أبوابَك وافتحْ نوافِذكَ، قم اغتسلْ من خيالاتِك. ضعْ رأسَك على وسادَتِكَ، وامدد قدميكَ نحوَ الأبدِ .. أبقِ على الجميلِ من أحلامِك، فأنتَ بحاجةٍ لأن تكتبَ شعرًا جديدًا.

لكلّ جنبٍ مضجعٌ / اضغط الزرّ الأحمر، وقل للمرضةِ ولحبيبتِي: اغفرا لي ألمي، أنا أحتاجُ لأن أتخففَ من أحمالي، لكي أصلَ إلى الضفّةِ الثانية.

سلامًا على الراحلين
سلامٌ على الذّاكرين

هُدنة 2

4 يونيو 2009

الجزء الأول هُنا: هُدنة 1

(( اغفِري لي ممرّضتي ألمِي، كمَا أغفرُ لأولئكَ الذينَ آلمونِي ))

غنّيتُ لكَ يا عزيزي، ولكمْ غنّيتُ لمن آلمَني، ومن آلمتُه.

أنا غنّيتُ لكَ يا عزيزِي، وقد غنّيتُ للأنثى البيضاءِ التي تلبسُ ثوبَ الشياطينِ الرماديّ / غنّيت لحبيبتِي أغنيةً في الحبّ والخيانةِ، لم تضحِ الخيانةُ قضيّتي؛ فكلّ ابنِ حُبٍّ خوّانٌ / غنيتُ غنيتُ، لحبيبتِي طالبًا الصفحَ ولم أصفحْ أنا.

أنا غنّيتُ لكَ يا عزيزِي، علّمتني أمّي الغناءَ، كم غنّت لي صغيرًا / عشتْ .. ولبست البشتْ .. عشتْ .. ولبست البشتْ / وكم غنّتْ لي كبيرًا / ضع منامِي في يديْك / وما غنّيتُ لها إلا مرّةً واحدةً / على المسرحِ الخشبيّ، في حضرةِ المعلّمة - التي غضبتْ منّي عندمَا خرجتُ عن النصّ، عندمَا تركتُ المجموعةَ، لا أريدُ أن أغنّي مع المجموعةِ! أريدُ أن ألوّحَ لماما! إنها تضحكُ! لم آتِ لأغنيَ لك يا أبلة، أتيتُ لألوّح لأمّي التي تجلسُ هناكَ، التي تلوّح وتضحك! تلويحُها مختلفٌ عن تلويحهِنّ! زعلتي يا أبلة؟ أحسن!

وغنّيتُ غنّيتُ. للقبيلةِ التِي عصيْتُ أمرَها عندما حلقتُ شاربي/ لوالدي الذِي خذلتهُ عندما كتبتُ قصيدةَ النثرِ / وغنيتُ لكَ ولم تسمعني! / غنّيتُ غنيتُ للبحرِ قريبًا وفاصلاً / للرحلةِ الصيفيّةِ إلى الشتاء / للرملِ الذي يعكسُ وجهي أمامَ بيتِنا القديم / للسائقِ الباكسانيّ الذي أقرضنِي مرّة لأشتريَ مجلةَ ماجد / لأختي الصغيرة التي ضربتُها لأنّها لم تلعبِ الكرةَ معي / غنّيتُ لحبيبتِي ولم أحسنِ الغناء.

أنا غنّيتُ لكَ يا عزيزِي، غنّيتُ غنّيتُ:
يا أجملَ الباقينَ في زحلٍ
……….. يا آخرَ الباقينَ ذا .. زحلُ!
من يغمضِ العينينِ يلقَ مدى
……….. مـلـكٌ لقيصرَ فيـهِ والأجلُ
يا ساكنًا بينَ الحروفِ أجبّ
……….. لا تبكِ عينُك.. أيها الرجل!

غنّيتُ، طالبًا هدنةً مع ذاكرةٍ [ تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ ]، هدنةً مع العرف - ولهُ مددتُ يميني وشاربِي، هدنةً مع الأنثى - وقد رميتُ قلبِي للمدى يعبَثُ بهِ، هدنةً معَ التفاصيلِ الصّغيرةِ، هدنةً مع الزائدِ عن الحاجةِ في الحبِّ / أنا.

بكيتُ ولم تفطنْ لبكائي، وصرختُ عندما خفتُ الممرضةَ، وناديتُ أن اغفري لي ألمي، أريدُ أن أقِفَ هناكَ لألقيَ خطبةً شعريّة.

أرجوكِ أبدليني من المورفينِ قصيدةً، قصيدةً تتراءى بها صديقاتي وحبيباتي،
قصيدةً في الحبّ والحكمة، لا المورفين! لا المورفين!

الجزء الثالث هُنا: هُدنة 3

هُدنة 1

4 يونيو 2009

(( اغفِرْ لي جرائرِي، كمَا أغفرُ لأولئكَ الذينَ أجرمُوا بحقّي ))

سأصلُ يومًا ما إلى الضفّة الثانيةِ، رأيتُني هناكَ يا عزيزي، كانت سيّارتِي تسيرُ باضطرابٍ غريبٍ في الممرّ الأبيض، اصطدمتُ بسيّارةٍ حاولتْ إعثاري، فسقطنَا جميعًا في هوّةٍ تؤدي إلى المجهول.

نزلتُ من سيّارتِي، تعلقَتِِ امرأةٌ بطرفِ ثوبي، فخلعتُه ولبستُ بزّةً جديدةً، وكأنّني أتحدّى الغيب وحرّاسه / سيّدي الغيب عليكَ أن تدركَ ما لمْ يدْركْه الممر ( سأصلُ يومًا ما إلى الضفّة الثانية ).

رأيتُني يا عزيزي، رأيتُني، أسابقُ المدى، عندما انتظرتْني امرأةٌ ثلاثينيّة عند بوّابة المبني الزجاجي، ذي المعنى الصلْدِ، طرتُ. دونَ أن أبذلَ جهدي، حملتنِي الريحُ، دونَ أن أحسبَ حسابَ الجاذبيّة المؤنّثة، أقسمُ لكَ أنني طرتُ، وأن صديقي لمْ يحسدني ولم يحاولْ إسقاطي، بل قال لي: ( ستصلُ يومًا ما إلى الضفّة الثانية ).

لم أكتفِ بالهواءِ - سيّابُ الخبرِ لا يحبّ الرحلة دونَ أن تمرّ بالماء، خضتُ البحرَ، وقد انتظرني عندَه ذو قربى. دخلناهُ لا نخشَى عُبابه، بل تسابَقنا فيهِ سباحةً، حتّى إذا سبَقتُ جمعتُ ماءهُ وملحهُ في جابيةٍ / سأصلُ يومًا ما إلى الضفّة الثانية.

لا تصدّق الحسناءَ، سأصلُ يومًا ما إلى الضفّة الثانيةِ! هذهِ الممرضةُ تكذب، ادّعتْ ألا حريّة لي في تحديدِ هدفي وماضيّ، قلْ لها إنّ اسمي ملكٌ لي وحدي، ومعناهُ خاصّ بي، إنّ معناهُ خاصٌّ بي، إنّما الخاصّ بي معناهُ! سأحملهُ على العيرِ الجنوبيّة تارةً، وعلى الرياحِ الشمَاليّة تارةً أخرى، سأنامُ ساعةَ أراهُ الأجملَ لا الأكملَ، سأنامُ لرضاي عنهُ لا لأثرِ المورفين!

قلْ لها إنني لا أحبّ المورفينَ، لا يطرحُني الألمُ،
تطرحُني الأنثى. أريدُ القهوةَ بدلاً منه، قهوةً مرّةً
مستطابَة، تصنعُها الكفّ المؤنّثة.

هاتي النقطة

4 يونيو 2009

هاتِي نقطةً،
كالتِي في يدِك اليسرى، نقطةً صوفيّة، نقطةً لي ولكِ، لا تخافي، سأضعُها في بدايةِ السطر، سأجعلُها مكانَ الفراغاتِ؛
ثلاثةُ أشهرٍ من النقط، سأهديهَا لأمّي لتستبدلَ أحلامَها بِها، سأهديها لبنتٍ ثانيةٍ؛ يستقبلُني سائقُها لأهديَها علبةَ بندول ونقطة.

أداعِبكِ يا حبيبتي، أمازِحكِ يا صديقتي، لا تذهَبي، اجلسِي أَحكِ لك حكايةً لأمّي عن حبّ الأشقّاء، تحبينَ ماما مريم؟ أكثرَ منّي؟ وأنا أيضًا أحبّها أكثرَ منّي، وأحبّ صخرًا أكثرَ مني، وأحبّكِ أكثرَ منّي.

لا تشعرينَ بحبّي؟ هل تريدينَ إثباتًا خطيًّا؟ قُدّاسًا أغنّي فيهِ حُبّكِ؟ حدّقي إلى قلبي [ مرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ ] تسألينَ مَنِ الغرلان؟ هي صُوَرٌ عديدةٌ لحبيبةٍ تحلّ في كلّ شيء، في المرعى والغزلانِ، هو الحبُّ للحبِّ. مَنِ الرهبان؟ أقنعةٌ أوزّعها على الحاضرينَ حتّى تكتملَ الحالُ الجماليّة ( غُضّوا أبصارَكم، حبيبتِي لا تحبّ الرحيلَ ولكنّها تخشى ملاحقةَ الأعين )، لا تصدقينني؟

كيفَ أُرضيكِ؟ سنسكنُ فندقًا رخيصًا، أبنيهِ في بيتٍ من شِعرِ الحبّ، أو استعيرُه من ت. س. إليوت، لن تُسقطَنا النظراتُ فيه، فالضوء لا يخترقُ الستائرَ، والبابُ مغلقٌ بالنقطة. لا تخافي النقطةَ يا حبيبَتِي، هذهِ النقطةُ جميلةٌ لا تُكتَبُ بعد تحيّة الختامِ، لا تريدينَ النقطةَ في هذا المكانِ؟ أها، لا تحبّينَ الفندُقَ أصلاً؟ حسنًا، بينَ الرّاء والفاء أشيدُ لكِ سريرًا، وسأغطّيكِ بسحابَتِك، وإنّ لها رذاذًا يعملُ بكِ عملَ المجازِ بي، لا تحبّينَ المجاز؟

أمرُك يا صديقتي، يا حبيبَتِي، سنّدي ظهرَكِ على لغتي، لنْ يشوبَها الهزلُ هذهِ المرّة، ولنْ يدرِكَها تملّقي، لا تصدّقينني؟ سأجعلُها بسيطةً لطيفةً لا تعرفُ العنقدةَ، تغري قلبَك وتجعلُ لي صولةً تحبّينَها [ تحكُمُ الحيّ وتطغَى في دماه ]، ألا تسمَعينَ حديثِي؟ أنا أحقُّ بتملّقي من النسوةِ الجالساتِ على قارعةِ الطريقِ إلى شعري!

شعرِي المبهمُ ولغتِي التي أهدتْنِيها مريمِي، تحبّينَ ماما مريم؟ هاه؟! أنا ابنُ مريمَ ولغتُها لغتي، أنا أحقُّ بتملّقي!

أنا [ الغريبُ بكلّ ما أوتيت من لغتي ] ، ابن مريمَ ، أوديبُ ذو البأسِ، أوّل الأزدِ، أجمل الباقين في زحلَ،
ورُبّ رَجُلٍ لمْ يكنّي!

أنا أبو اسْمِي، أعبَثُ بأحرُفِهِ وبمهجتِي كيفَما تقلّبتُ، أصبّ على مرْآتِي الماءَ لينبتَ النرجسُ على صورتِي، أنا الميْتُ الحيُّ في هذهِ الأبديّةِ، التي تمتدّ من الصادِ إلى اللامِ، من الفاء إلى الرّاءِ،
ورُبّ رَجُلٍ لمْ يكنّي!

أنَا أوّل الحبّ يا حبيبتِي أنظُرُ إليّ من خلالِ عينيْكِ ( وحيدُ نسجِهِ المتعجرفُ بما يملكُ ) لا يملأُ عينيْكِ إلايَ، لا يملؤ عينيّ إلاكِ ولا يملؤ فمي إلا التراب.
ورُبّ رَجُلٍ لمْ يكنّي!

أخفِضُ صوتِي؟ تخافِينَ منّي عندَما أرفعُه؟ تخشَينَ غضَبِي؟
لا يا حبيبَتِي، أنا ما زلتُ طفلَكِ، سأرتمِي بينَ ساعِديكِ، تريدينَ أن تكونِي أنتِ الطفلةَ؟ حسنًا، ماذا تريدينَ يا ماما؟ أن تقودي السيّارةَ؟ أمسِكي المقودَ يا حبيبَتِي، اسمعِيني أغنّي لكِ [ لقد حصلتُ عليكِ تحتَ جِلدي، لقد حصلتُ عليكِ عميقًا في قلبي ]، قودِيها بتهوّرٍ إن شئتِ، ولا تتلثّمِي بالشّماغ، مُرّي بمدرستِي الثانويّةِ، ما زالَ بعضُ أصدقائي ينتظرونَنى عندَها. لم يَمتْ صديقي سيْف في حادثِ السيّارة، بلْ كانَ مسافرًا إلى بلادٍ بعيدةٍ خارجَ الخارِطة، لقد عاد. هوُ جالسٌ عندَ البوّابةِ ينتظرنِي لنكملَ حديثًا عنِ الغيابِ والنساءِ وأُمَّيْنا، لا تريدينَ المرورَ بمدرسَتي؟ تخشينَ الرجالَ؟ وأنا كذلكَ أخشى ألا أجدَ سيْفًا في انتظاري، إلى أين تريدينَ الذهابَ إذَن؟ إلى البحرِ؟ لا بحرَ في آتلانتَا، ولكن لا بأسَ: سأكوّنُ لكِ البحرَ وأجمعهُ بينَ ساعديّ، أترينَ زرقته؟ أتسمعينَ صوتَ تلاطمِ أمواجهِ؟ أتشمّينَ رائحةَ الرطوبَة؟ أدخلِي فيه مرّةً واحدةً، لن تغرقِي، هُو آمِنٌ،.. لا.. لا تبكي، سمكةُ القرشِ تلكَ لا تأكلُ ولكنّها تصيبُ جلدَكِ بالحكّةِ، وإن لم تشعرِي بالحكّة، فاعلمِي أنّما تلاشيتِ بينَ ساعديّ يا حبيبَتي ..
تلاشيتِ يا حبيبَتي ..
تلاشيتِ ..

هُنا .. سأضع النقطة .. هُنا