موسمٌ ككلِّ المواسم

29 يناير 2010

“هذا موسمٌ يحلو فيه الشرودُ، والشرود رجلٌ لكل المواسم”

هُنا في هذه الطريق الممهدة للمشي، بينَ أوجه المقبلين والمدبرين، بين مرضى السكرِ والسمنة والحبِّ والخديعة، يطلُّ بوجهه، يمشي حثيثًا ومعه صاحبُه، بل يمشي مع صاحبه، وصاحبه يقول: “ساعة ونصل إلى نقطة البداية” فتساءل: “ماذا يكونُ بعدَها؟” لم يبدِ ما جال بخاطرِه.

كان الهواء باردًا عليلاً يلامسُ القلب قبل الأديم، القمرُ استقرَّ بدرًا في السماء، والأقمار تسير عن يمينٍ وشمال، باتجاه الريح وعكسِه، يعرف قِبلةَ الريح من وريقاتِ الشجرِ المتطايرةِ ومن العباءات. صاحبهُ يتربّص بهذهِ الأقمار، أما هوَ فقد اختارَ دورَ النملةِ في الوعاء، لمْ يخُض حروبًا بالنيابةِ يومًا، ولم يخُض صاحبُه إلا حروبَه.

يمانانِ أحيانًا شآمانِ تارةً، يسيرانِ وأحذيتُهما الرياضيّة تهوّنُ من انخفاضِ الأرض وعلوِّها. عيناهُ تزغللان فكأنّ القمر انصهرَ في السماء واختلطت أنوارُ الشوارعِ ببريقِ النجيماتِ، ما زال سمعُهُ مشوّشًا، وقد أمسى الهواءُ يصبّ في أذنه قولَها: “أحبُّ الترابَ الذي تطؤهُ قدماكَ”، إذًا هي تحبُّ الغبار المنتشرَ على سطحِ هذه الطريق.

لو سألتَهُ لِمَ تمشي في هذا الشارع لقالَ: “أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيت” أو لصمتَ، في هذه الليلة التي تشبه مثيلاتِها لا يحبُّ الكلام، رأى ابنَ عمِّه فنآى بجانبه، لا يحبُّ العناقَ، رآى أباهُ وسلّم عليه على عجالةٍ، قبّل رأسَه واقفًا ومضى، رأى حبيبتَه فتكلمَتْ وأنصتَ.

يمشي هُنا، لأنه مصابٌ بالتخمة، أتخمَه الطعامُ وأتخمه القَدَر، لم يُبلّغْه زمنُه ما أراد، ولم يبلُغْهُ بيدِه، ولم يبلغهُ غلابًا.. لا يريدُ الكثيرَ وصاحبُه يقول: “ساعة واحدة.”

لو وضعتَ الأمرَ في يدِه لما رضِيَ بأن يمشي مع صاحبِه خلف البنات الثلاثةِ، يقولُ صاحبُه: “الكبيرةُ لي والصغيرة لك” وهو يكتم سؤالاً في صدرِه: “لِمن الثالثة؟ أنتركها ليتخمها القَدَر؟”

صاحبُه يخطط لغزواته بجواله، يحشدُ لها البصرَ والقلبَ وشِعر النبط، يريدُ أن يبني مستعمراتٍ كثيرةً، واحدةٌ لا تكفي أبدًا! واحدةٌ للحبّ، وأخرى للنزوة، وثالثةٌ للبكاء، ورابعةٌ للضحك. يقولُ صاحبُه: “تناسبك الصغيرة” فيقولُ: “في المرّة القادمة إن شاء الله” لقد اختار دورَ النملة في الوعاء.

لا يخوضُ صاحبُه حروبه علانية، كان شاعر النبط يحضّر في نفسه قصائدَ جديدةً للأنثى القادمة، لم يكن ساذجًا ليغازل النساء بالقصائد، تكفيه قامته الطويلة ونظراته الرصينة التي يكتنفها الغموض والفجور وملابسه الرياضيّة الأنيقة، يمشي كأنما بُسطت له الأرضُ وكأنّ النساءَ خُلقنَ لأجلِه. حديثُه ذو شجون ولو كان قارئًا قصيدته لامرأة لقرأها في الهزيع الأخير من الليل، ساعةَ تخضلّ القلوب وتغرورق المقل. يفخرُ بنفسه دونَ أن يصرّح، ومَن غيرُه يكتب الشعر على البحر الهلاليّ؟ يسأله: “أتكتبُ الشعرَ على البحر الهلالي؟” يقول: “لا” يسأله: “تعرف البحر الهلالي؟” يقول: “لا.”

هذا رجلٌ لا يميّز بين القافية والسجع، لم يكتب الشعرَ يومًا كصاحبه، لا يقرؤه ولا يحفظ منه إلا قصيدة أمريكية مترجمةً، ولو لمْ تقرأها له حبيبته لما حفظها. مرة في المدرسة حاولَ أن يكتب الشعرَ، فضحك منه أقرانُه ومعلّمُه، وفكر مرة أن يكون رسامًا كبيكاسو الذي لا يعرف عنه إلا اسمه، فقال له أستاذ الفنية: “عندك مستقبل” فعلمَ من تعابير وجهه المزيفة أنما أراد رفع معنويّاته، وحاول يومًا أن يجمع الطوابع هوايةً، فلم يجدْ إلا طوابع عليها صورة سوهارتو وجزيرة سومطرة، وقرّر يومًا جمع العملاتِ، ولكن لم يقع في يديه إلا الريال السعوديّ. عَلِمَ وهو غضّ البنان أنما هو مجيدٌ للإنصات فقط ولا شيء غيره. فكيف أحبته تلك المرأة إذ أحبته؟

بودّه لو كانت تمشي حبيبته معه بدلاً من صاحبه، ولا أسوأ من أن يدخل ثالثٌ لا يعرفهُ عليهم في سيرِهم. رجلٌ يشجع الهلال ويلبس قميص النصر، عمره أربعةٌ وعشرون ويلعب الكرة في أشبال النادي، وفيٌّ لحبيبته ولكنّه يتغزّل بكل امرأة تمرُّ بهم، يعطيهم من حديث الحكمة كالثعالب: “أجمل مرحلة في حياة المرء بعد إنجاب الطفل الأول، ويا حبّذا الذَكَر. أنت متزوج؟” يجيب: “لا” يسأله: “تفكر بالزواج؟” يجيب: “لا” فأحسّ بثقلِ صحبتهما وتركهما متسائلاً: “كيف يرضى صاحبه بالمشي معه؟”

وهو بعيدٌ بقلبه، بوده لو كانت تمشي حبيبته معه، هذه الطريقُ تنخفضُ وتسهلُ حين تطأها المرأة، هذه الأرض تخضرُّ وتعشبُ حين تمرّ بها المرأة، هذه السماءُ تمطرُ ودقًا حين تسيرُ تحتَ سِماكِها المرأة.

“هل أحضرتَ قارورةَ الماء؟” أجاب: “لا” قال: “هل تشعر بالعطش؟” قال: “عطش لا يُميت” والناسُ لا تعطش كثيرًا في هذه الطريق، وهو وإن عطش، تعلّم ألا يجزع وألا يشكو. تقول أمّه: “كن قنوعًا”، وأبوه فخورٌ به.

لا يجزع، ولا يكثر من الفرح، والمفاجآت ليست منه ببعيدة، فقدْ قرر أن يتوقف للمقابلة التلفزيونية، وابتسم للمذيعة، وافق على أن يتكلم إليها، بل سعى إلى المايكروفون، فسألته سؤالاً ساذجًا: “هل تقبل الزواج من امرأة أكبر منك سنًّا؟” قال: “لن يكون سنُّها عقبةً” هنا تبتسمُ المذيعةُ وتقول: “شكرًا” يقول: “هل تسمحين لي بأن أقرأ قصيدة لبيلي كولينز؟” تبتسم مرّةً أخرى وتقول: “في المرّة القادمة إن شاء الله”

إن شاء الله، إن شاء الله. أكمل المشي مع صاحبه، وفي باله القصيدة:

[ أنا نملة في وعاءٍ أزرق
على طاولةِ الأمير القاسي

حيثُ تُناقَشُ خطط الحروبِ
ونبيذ الأرزّ يسكب بكثرةٍ

ولكن حتى لحظةَ غضبه
حين يضربُ الطاولةَ بالسكينِ

أكملُ الدورانَ في الوعاء
ذي المقابضِ البرتقالية والعنب الأخضر ]

هذه نملةٌ أبديّةٌ. سوف تدور نملة واحدةٌ في الوعاء، وسوف تقتاتُ مئة نملةٍ على السكرِ في وعاءٍ آخرَ، وسوف تأكلُ مليونُ نملةٍ أجسادًا تخطط لبناء المستعمراتِ في أقاصي الأرض وأدانيها، وفي قلوب النساء.

قال لهُ صاحبه: “سوف نصل إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة” فسكت وأحشاؤه تضحك. سوف يصلون إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة، والنملة ستدورُ وتدور وتدور.

فلانة الفلاني ..

1 يناير 2010

جلوسي هنا ليس من أجل انتظار أحدٍ، أنا لمْ أنتظركَ ولم أنتظرْ أحدًا! لا أنتظرُ فارسَ أحلامي ولا منقذًا، في هذا الكرسيّ من الصالةِ، لا أنتظرُ إلا برنامجًا تلفزيونيًّا، لأهرُب من الصروفِ التي تثقل كاهل القويِّ ذي البأس والمرأةِ الصبور.

أنتظرُ، أنتظرُ، والمكانُ مشوّشٌ، لا يأتي البرنامجُ! يتغيرُ المكان فجأةً.. يختفي التلفاز أصلاً! دهرٌ مختلفٌ، ولا أحسّ بمضيّ المرحلة الانتقاليّة، أنا فقط، أنا جالسةٌ وحدي في قاعة الدرس.

أوراقي أمامي، أكتبُ وأحضّرُ، لأيّ شيءٍ، لِلاشيءٍ، لا أعلمُ ولا أبذل جَهْدي لأعلمَ ما أنا أكتب، لكنّ الغريبَ في رأيي كيفَ تفتح تلك المرأة الباب! كيف تمشي بخفّة، إلى الكرسي الذي يقعُ بجانبي، كيف تسحبهُ وتجلس عليه!

هذه قاعتي، قاعة درسي أنا، أنا من صنعتُها.. لا يحقّ للغرباء أن يجلسوا بها، إلا بعد إذني!

- لماذا جلستِ هنا؟! من تكونين؟
- أنسيتِني؟ أنا فلانة الفلانة..

اسمها غامضٌ، ألقيهِ على كل امرأة تمرّ بي، كل امرأةٍ لا أعرفها، لكنني أعرفها! أعرفها جيّدًا، شريط الذاكرة سار سريعًا إلى الخلف، أخرجها وأظهرَها، أعادها إلى الذاكرةِ بسرعة البرق: (فلانة الفلاني، بنتُ العائلة الغنيّة، ذاتِ الجاهِ والمال والشرف، كنا نركب السيارة معًا، يومًا ما من الماضي الغريب ركبناها، ركبنا سيارتها الفارهة، وملابسها، ما أجمل ملابسها، مضربَ الأناقة والفخامة) هي بجواري وملابسها رثة.. ملابسها رثة؟!

- ماذا جرى لكِ يا فلانة؟!
- لا شيء يذكر.. أزمة تذهب المال وتذهب العقل وترهق..
- ولم جئتِ هنا؟
- أطلب يدَ العون..
- منّي أنا؟
- الحاجة يا أختي
- ما مكنّي فيه ربّي خير.
- أريدُ وظيفةً وراتبًا ثابتًا..
- ما كنتُ صاحبَةَ شأنٍ وواسطة
- أريدُ مبلغًا كبيرًا، مبلغًا لا أطلبُ بعدَه أحدًا!

سكتْتُ لوهلةٍ، ثم قلتُ:
يا فلانةُ لا تسرفي الطلبِ، اطلبي هيّنًا، المرء يطلب المستطاع ليطاع، فاطلبي المستطاع، اطلبي المستطاع أُجبْ..

نظرَتْ إلى، وابتسمت، ولم تبقِني إلا لتضمّني إليها، ضمتني إلى صدرها طويلاً:
هنيئًا لي بصدقِك، هنيئًا لي بك، لم تماطلي كما فعلوا، ولم تساومي عمَلَهم، صدقتِ وكان خيرًا لي ولك..

هذا شيء، هذا موقفُ صدقٍ، أهذه أنا؟ شكرًا لهذه المرأة الغيبية، شي لهذه المرحلة. شيء ما غيّرَ وجهَ هذه المرحلة الانتقاليّة، لستُ في القاعةِ، ولا أنا في الصالة، في مرحلة انتقالية أنا! شكرًا لفلانة، شكرًا للصدق الذي أريده..

يمضي كلّ شيء، ولم يمضِ الكثيرُ، لا القاعة هنا ولا فلانة.. من هي فلانة؟ أنا؟ ومن أنا؟ أين الصدق من هذا؟ أين الصدق؟ أبتعدُ عن الغيبِ شيئًا فشيئًا، لا جديدَ في هذه الصالةِ، كلّ ما في الأمر أنني أنتظرُ البرنامجَ التلفزيونيّ، ولا أنتظرُ أحدًا!

سأدخلك قلبيَ يومًا… ولو لم أفهمك

26 ديسمبر 2009

- أنت لا تبوح لي كما أبوح لك!
- أنا رجل..
- هلاّ أخذت أذني أو أعطيتني همّك؟!
- افهميني، أنا رجل..
- كفاكَ مكابرة! قل شيئا ونفّسْ عن نفسك لي..
- أنا رجل يا حبيبتي.. وأنا شاعرٌ

لا خواتمَ بأصابعي، ولم تنتهِ رحلتي على قلوب النساء من الجنوب إلى الشمس، لكنني مطمئنٌ بما تخبئه القصيدة لي، القصيدة يا حبيبتي أخلصت يوم تاهتْ أقدامي، القصيدة أخلصت يوم خانتني المرأة، يوم تعرت مشاعري من جَلَدي استحالت القصيدة سترًا لها.

وأنا شاعرٌ، أحبّ المرأة لأنني أحبها، لا يهمني ما يحمله المدى لي من المفاجآت وقد أضحى قلبي قليل الدم، لا يهمني لو ذهبت المرأةُ إلى رجلٍ آخرَ، غدًا ستأتي امرأة ثانيةٌ لأحبها، لم أعد أتهيب قنينة الخمر، لم أعد آتهيب المرأة اليعربية، فما زال هناك حيّزٌ في القلب المتحجر للحب.

احمليني على ذاكرتك الممزقة، واقرئي لحبيبِك القادمِ شعري، واسكني أرضًا محايدة؛ وما زال في الجنوب متسع.

- أنتَ تهرب من حبِّنا!
- أنا أهرب من الماضي..
- إلى أين؟ إلى الحاضر أم إلى المستقبل؟!
- بل إلى القصيدة والحب..
- حبّي؟
- أجل
- متأكد؟
- ربّما، فأنا شاعر..

قيّدتُ أحرفي ما استطعتُ، وقد اتخذتها ملجأً مجبرًا؛ فيها رحلتي الحقيقية، التي جعلت فيها الواقع بلا ألوان، حيادًا، حبيبتي صديقتي، صديقتي حبيبتي، تتراءى لي بلقيس وسيارتُها، كأنها سيارتي، وقصيدتي لها، قصيدتي أعلقها على صدور الرجال والنساء.

قصيدتي لا تشق إلا صدرَ حبيبتي، وحبيبتي لم تعد تعرفني، وحبيبتي تبكي لأجلي، وحبيبتي تبكي جرّاءَ سطوة لساني، وحبيبتي تبكي في غيابي ولا تموت بسببه، وحبيبتي تقرأ شعري ولا تفهمه، وحبيبتي تسبح بين ساعدَيّ وتموت في القاع، وحبيبتي أعطتني دورَ الوصيّ عليها، وحبيبتي تجذبني بأمراضها الوهمية، وحبيبتي اختارت ألا تكونَ حبيبتي… حبيبتي قصيدتي التي كُتبت دون مشيئتي.

- من حبيبتك؟
- حبيبتي الأولى.
- وما موقعي من الإعراب؟
- أنت صديقتي الحبيبة.
- لكنك تخلطُ بين دورينا!
- ربّما، ولكنني أحبك…

ادخلي قلبي، واقرئي مدوناتي وخربشاتي على جدرانه، وابحثي عن صورتك الرمزية فيها، ابحثي عن صورتك المعلقةِ في قلبي / حذارِ أن تخلطي بينها وبين صورة أمي، مريمُ قادرة على المشي هونًا ما، من قلبي إلى رئتي، ومن رئتي إلى بصري، ومن بصري إلى مخيلتي / دعيها وشأنها، وامشي في نواحي قلبي.

ستجدين فيه صندوقًا أسودَ، افتحيه واسمعي ما كان يدور بخَلَدي ساعة ضممتُكِ إلى صدري… هل كنتُ أجلدُ ذاتي بما فيه الكفاية؟ لقد ضممتُك وقُضي الأمرُ! لكنني بكيتُ في يومٍ ما، أجل، بكيتُ؛ يومَ لم تأخذي بيدي عنك، يومَ رضيتِ عنّا نتّحدُُ في المدى…

لم أبكِ طويلاً، عملتُ على قلبي، أنا ما زلتُ أحاول أن أضبطَ إيقاعَ خطاي وأن أجعلها توافقُ نبضَ قلبي، شيئًا من الانسيابية في الحركة، إيقاعكِ، قلبي، أقدامي… أيشبهُ رقصي حينَها الحبَّ؟

عندما أمسك كفيْكِ، وأنظر إلى عينيكِ البرّاقتين، وأبتسم ابتسامةً حاضنةً مغمضًا عينيّ، وأوجّه أنفاسي إلى أذنك اليسرى، أدخلك قلبي لتجولي بين تفاصيل نبضِه، وأهمس: أحبّكِ… هل يجب أن تتأكدي من مصداقيتي عندها؟

- وأنا أحبك…
- لن ترضى بذلك حبيبتي…
- أنا حبيبتك يا مجنون!
- أنتِ حبيبتي الصديقة…
- لا تفعل ذلك بي! ستقتلني والله ستقتلني…

لا بأس، أنتِ ما زلتِ على قيد الحياة، وأنا نجوتُ قبلَك، لم يمت أحدٌ، ظننتُني أوّل من أحبّ، وظننتُني أوّلَ من أصيبَ في قلبِه، ولكنني أدركتُ أنني ما زلتُ حيًّا ساعةَ أيقظتني الشقيقة من نومي، عندها أخذت حبّة الإميتريكس، لتذهبَ الشقيقةُ ولتجف دماء قلبي، عندَها يا حبيبتي…
قررتُ أن أحبّ مرّة أخرى وأن أكتبَ الشعر…

نسيمٌ من القلب يمضي إلى القلب
بحثًا عن الحب، والنبض، والقافية

ليلة جميلة

12 أكتوبر 2009

خذهَا بيمينكَ أو خذْها بشمالِكَ، لا فرقَ، ولن يبتئسَ أحد، كلنا واحدٌ، كلنا واحدة، وهذه الواحدةُ تجلسُ أمامي اللحظة، أمامك تجلسُ هذه الواحدة، تنظرُ إليك بازدراء، تحبك أو لا تحبك؟ تحبك أو لا تحبك؟ وأنتَ تفكّرُ في البدائلِ، وفي الأضواء الكثيرةِ التي لا تحيلُ العتمةَ نهارًا.. وأين هاتفي؟ أين الضحية القادمة؟!

هي تنظرُ إليّ بازدراء، وأعلمُ أنها تريدني، ربما أحبتني، ربما! أعلمُ أنني أتمزّقُ، أنني جماعةٌ تفرقت في الأرض أيدي سبأ، ولم تجتمع على امرأةٍ واحدةٍ، بل كانت واحدة، واحدةً متفرّدة كهذهِ.. لا شبيهة لها، كهذه.. لا شبيهةَ لها، كهذه! تفرّقتُ في الأرض أيدي سبأَ يا حلوة!

كلّ نقيض مني لا يلتقي نصفَهُ الآخرَ، وأنا لا أحبّ الضوءَ يكشفُ المدى، ويكشفُ أجزائي المتفرّقة، لا أحبّ أن يسقطَ على عينيّ في هذه الضبابيّة الحيادية، هي تنظرُ إليّ بازدراء وأنا أودُّ لو انطلقَ الضوْءُ من عينيّ، ليحترقَ المدى إليها.

منبيرُ يضحَكُ منّي، منبيرُ قبطانُ السفينة الهنديّ، بجوارِهِ المدمّر، يسمّونه تارةً شيفا وتارةً أشوتوش! هو وإن كان المدمّرَ إلا أن منبيرَ أقوى منه لسانًا وأبعدُ خيالاً.. يعرفُ شواطئ فنزويلا جيّدًا، يقول دائمًا: مارغريتا مارغريتا.. بلكنةٍ هنديّةٍ متميّزةٍ، وهذه المرأةُ تريدُ الذهاب إلى فنزويلا يا منبيرُ، تريدُني معهَا ولا تريدُك، تقولُ لي: لديّ مقعدٌ واحدٌ، لا يليقُ إلا بك..

ما الذي يليقُ بي في هذه الليلة؟ وما الذي لا يليقُ بي؟ (شعورٌ أن الليلةُ ستكونُ ليلةً جميلة) أوهو! ارقص يا منبيرُ، ارقُص أيها القبطانُ، علّمْ بحّارتَك الرقصَ، لا تضربْهم إن لم ينظرُوا إلى النافذةِ، يكفيهم الرادار والاستيريو ليرقصوا، وهذه الشاشات التي لا تشبه شاشتي، شاشاتُك لا تعرفُ الحبّ، لن تفتنَك فتونًا، إنما تخذكَ إلى تشيلي بدلا من فنزويلا، خذني إلى تشيلي يا صديقي، خذني إلى نيرودا، سأطلبُه أن يجعلَ حلمي صفحًا وطمأنينةً لقلبي.. فهذه المرأةُ تنظرُ إليّ بازدراءٍ وتريدني..

أشوتوش المدمّرُ يبدو أليفًا، طيّبَ القلبِ، أبو كلامٍ وشاعرية، يعرفُ الحبّ والأوجُهَ.. لا تخونُ الأوجُهُ، وهو لن يدمّرَ اليومَ، هذه القسماتُ بناتُ امرأةٍ صالحةٍ، ولدُها أخو مروءة، وتلكَ تنظرُ إليّ بازدراء وهو يخبرني عن وجهها: طفوليُّ القالب وأنتَ حقٌّ به، أنتَ حقيقٌ به.. هي تسألني عن أمّي يا أشوتوش! أمي غاضبةٌ وأعلمُ أنها ترضى بسرعة.. سأرقصُ قليلاً، قبل أن تراني أمي.. قليلا فقط.

أعرفُ الرقصَ يا عزيزتي، اليمنى أولاً، اليمنى إلى الخلف، طئي العنكبوت باليسرى، اليمنى إلى الأمام، الآنَ قدّمي اليسرى، لا تمسكي أصابعي كلّها، لا لا تكسريها، أحتاج لها لأمسكَ بالقلم، لأكتب شعرًا سرديًّا غنائيًّا، شعرًا عن هجرةِ الأزدِ.. هجرتي. (أعلم أنما تردينني وتعلمين أنما أريدك) تنظرُ إليّ ثم تنظرُ يمينا وشمالاً ولم ينتبه أحدٌ، لم يكترثْ أحدٌ، أشوتوش وحدَه رآنا، فابتسم ومضى، لم يدمّر أحدًا، صفّقَ أشوتوش المدمّر لعينيها وباركَ عينيّ..

ومنبيرُ يختلقُ الحكاياتِ، ويسيرُ بسفينته من رأس تنورة، أتعرفين رأسَ تنّورة يا حلوة؟ أنا أعرف رأس تنّورة، وأعرف التنورة، ولا أعرف نورةَ التي لا تحبّني، خذي شماغي واستري به ساقيكِ ولتسترْ بباقيه ساقيها، إن لم يكفك الشماغُ هاكِ شعرًا عفيفًا.. شعري يسترُ المرأة العارية، ويسترني، لا أريدُ أن أُبحرَ عاري الجسدِ ولو كان حلمًا، قد تراني أمي الحزينة، سأعتذرُ بقصيدةٍ جديدةٍ، وقبلةٍ على يدها اليمنى، وسأقسمُ أنني لا أحبّ امرأة ثانية وأنني أسافرُ قسرًا.

ومنبيرُ أبحرَ من رأس تنورة إلى فنزويلا إلى تشيلي إلى الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي، أبحرَ شرقًا وغربًا ولم يعرف السفر! وأنا أعرف الهجرةَ الأزدية، أشوتوش سيرافقني يا حلوةُ.. ستلاحقني الأبصارُ ساعةً، ثمّ أغيبُ في العدم..
اليومَ العدمُ سبيلُ الوجودِ.

سَنَة نمحوها بالسفر 8

30 أغسطس 2009

8
_______________________________

واقفًا بين مرآتين، أبصرُ وجهي وشعرَ رأسي مئة ألف مرّة، مَنْ مِنّا يحدّقُ إلى مَنْ؟ أنا هناكَ، هنا، لا أنتهي، أتجدّد كطائر الرعدِ الهندي، هو الكونيّ، يطيرُ تيّاهًا في الأفق، يغضبُ رعدًا وغيثًا للقلوب، ويحبّ ليربطَ الكونَ بالكون.

رحلتُه الطويلةُ قصيرة. تقصر الرحلةُ من جدة إلى روما، وتطولُ من الرياض إلى مكة، وطريقُ المدينةِ يشقي أحيانا؛ لا بدّ لبلقيس من أن تنسى رحلتها إليّ، وعلى صديقتي العسيريّة أن تشدّ من أزري (هوِّنْ عليْكَ)، ولا بدّ لي من شكرِهما وحبيبتي، ولن أشتم أحدًا.

لن أشتم المرأةَ السوداء ذاتِ الجواهر والجمع الذين تجشّموا هدمي، لا تردّ الشتيمةُ ضائعًا ولا تحيي ميّتًا ولا تدفعُ عنّي طعنًا في الشرف، الشتيمةُ لا تحول بيني وبين حجارتِهم. شتَمْتُهُمْ في منامي، لكنني قلتُ لهم ساعةَ أفقتُ: لا تثريبَ عليكمُ اليوم، يغفرُ الله لكم.

لربّما تلاقينا في مجلسٍ أدبيّ في الجنة، يحضرُهُ أبو الطيب وأبو العلاء وأبو تمام، فنقرأُ الشعرَ لبعضنا، ونبوحُ بقصصنا مع النساء وعن النساءِ بلا ضغينة.

ولربّما سافرتُ في الجنةِ، من أقصاها إلى أقصاها، وقطعتُ ربوعها وبحارها وسماواتها، ولربّما استقبلتني أمي كما تستقبلني بعد كلِّ غيابٍ طويل؛ أبادرُها بقبلةٍ على جبينها وأخرى على ظاهر يمناها، فتحضنني وتقبّلني عشرينَ قبلةً على خدي / مرحبًا يا ابن بطوطة!

لم تقلْها أمّى راضيةً تمامَ الرضى، ولو تحدّث خَلَدُها لقال: والله ما تهنّيت فيك!/ ولكنها توسِعني قُبَلاً لدى اللقاء، وعندما أعلق شماغي تنظرُ إليّ نظرةً كُلُّها تحسُّرٌ، هي تعلمُ يا سادة أنّما أقفُ على واحةٍ في فلاةٍِ، لتشربَ إبلي وأملأَ القربَ، وبعْدَ قليلٍ ألبسُ الشماغَ وأواصلُ السفر.

قلتُ لفرانز سيورد: أريدُ أن أمدَّ قدميّ وأن أنامَ نومًا طويلاً. فقالَ: ليسَ بعْد، ليس بعْد.

سفري كثيرٌ ماضيهِ يا أحبتي، وباقيهِ أكثرُ مما مضى.

( انتهت )