العودة

14 مارس 2010

هي جاثية ولكنها لم تكنْ خائفة، وهو مضطجع على جنبه، تقف على رجليها، وهو يجلس على الكرسي، يمشي من الغرفة إلى المطبخ متوتّرًا، وهي تتبعه أينما ذهب، ليست المرّة الأولى في إثره، إنما هي وراءه منذ أمدٍ، قبل أن يختلفا.. هو يأخذُ الجدال بجديّة، وهي تتربص بما يقول بحثًا عن الثغراتِ، هذه ثغرة في حديثه، وهذه ثغرة في قلبه، هذا شخص مختلف!

كنتُ أتابع حوارهما صامتًا منصتًا تارة وغافلاً أخرى، عجبتُ من هذا التشنّج والتصادم، ولم أعجب. هو من أبو ديس وهي من براغ، أبوه قلقٌ عليه في هذه الغربة، ولكنه رجل شهم - أحيانًا - قويّ أمين - أحيانًا - هي لم تسأله يومًا عن أبيه، والحديث عن أبيه ذو شجون، ولو ذكر جدّه لربما بكيت من الحنين إلى الشخص الذي لم تعرفه. هو غضوب، يلقي بالكلمة التي تمر بالخلد على الحوار، ولربما جرحها في حديثه ولم يكترث لماذا؟ ألها قلبٌ يجُرح؟ هي تكاد تستخفّ بكل ما يقول.. هو يريد الانتصار في هذا الحوار، وهي كذلك. هو رجل، وهي امرأة، بل كانت شيطانًا.

لا تظنّه كان غافلاً عنها، بل له شيطانيته الخاصة، وله انتماؤه، يريد أن يعود إلى أبو ديس، إلى مزرعة جدّه، يريد أن يركب الخيل كما ركبه جده، أن يحمل البندقية على ظهره كما فعل جده، أن يقطع الطريق على الخيل إلى البلدة القديمة، أن يعود متعبًا فيرى شجرة البرتقال المطلة على الطريق من مزرعته، فيهوي إلىها ويجلس تحت برد ظلها، هناك لا تضرب عينه الشمس، إنما يشعر ببرد الهواء، ويشم رائحة البرقال.. الديسي مشتاق لأبو ديس التي لم يرها إلى في حكايات جده وأبيه.

أمّا هي، فمتعجبة من حديثه ومن ولائه الذي ورثه ولم يجرّبه، لمَ يريد العودة إلى حيث لم يكن؟! هي لا تفكر في العودة يومًا إلى براغ، ولا تكترث لتاريخها. هي ولدت في فيلاديلفيا، بيضاء وتحبّ السمرَ، تشجع فريق الفيليز، وتكره اليانكيز، تقول له: أكرهُ اليانكيز كما تكره أنت الإسرائيليين! يكرهُ الإسرائيليين؟ هو لا يستحي أن يظهر كراهيته لهم، ولا يخجل من أن يقول أريدهم أن يخرجوا من الأرض، لأعود إليها، وهي لا تريد العودة إلى براغ، تركها أبوها وهاجر مع أمها إلى بلاد الأحلام، هي تذكر معالم وجه أبيها، ولا تريد أن تذكر الباقي منه، تقول له: أنت في بلاد الأحلام اليوم، لماذا تريد العودة إلى الأساطير؟!

هو غاضب من غبائها، وهي لم تحبب انتمائه، تقولُ له: “أين عقليتك الكونيّة؟ هل يأمرك دينك بأن تخرج الإسرائيليين لتعود إلى تلك القرية الصغيرة؟” يقول: “يأمرني دمي، يأمرني ضميري، يأمرني تراب تلك القرية وشجرة البرتقال المطلة على الطريق، حصان جدي، بيته الذي أخذ منه عنوة، كلها تريدني لأن الأرض والأشياء تشتاق دائما كما تشتاقين أحيانا ساعة العوز، هل قرأت الليكزس وشجرة الزيتون؟”
- لم أقرأها ولكنني سمعت عنها.
- أنا شجرة الزيتون، وستظلين، أنت، سيارة الليكزس.
- أنا سيارة الليكزس “اللعينة”!

هل قرأتَ شتمًا في قصيدة حبٍّ؟ أنا قرأتها، قرأتها عندما كتبت قصيدتها عنه، قالت: أريد أن أكون شجرة زيتون، ولكنني ما زلت سيارة الليكزس “المستهلكة”، سيارة اليكزس “اللعينة”. كيف أحببتهُ رغم ضيق مداه وقصر آفاقه!

كتبتها له، وقرأتها لي! ربّما أحبته حقًّا، وربّما أُعجبت بي، لن أتعجب كثيرًا، ولن يبدي استغرابًا، كلانا يعلم أنها غريبة الأطوار، غريبةً ولو نامت بين ساعديه الليلة. غريبةٌ ولذا يهرب منها؛ يريد العودة… فقد كان رجلاً وله جذورٌ تمتدّ في تراب أبو ديس، وهي امرأة له كانت من براغ، أو من فيلاديلفيا.

يفتح الله / الطيب صالح

11 مارس 2010

تحت هذا العنوان من المدونة “اقتباسات”، سأقتبس مقاطع من كتب قرأتها كان لها في نفسي أثرًا جميلاً..

هل تؤثر في قلبه الدعوات التي أرسلها محجوب في هدأة الليل، وأحس الرجل بفيض من الأمل يملأ كيانه ويطغى على إحساسه، وترقرق من عينه دمع حبسه جاهدًا، وتمتم: (( يفتح الله، أنا تمرتي ما ببيعها )). وردد الرجل في نفسه: (( يفتح الله ))، وقاده ذلك إلى التفكير في سورة الفتح من القرآن الكريم - (( إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا )) - الفاتحة - الفرج. وأحس لأول مرة بأنَّ في عبارة (( يفتح الله )) شيئا أكثر من كلمة تنهي بها المبايعة، وتقفل الباب في وجه من يريد الشراء. إنها مفتاح لمن أعسره الضيق وأمضه البؤس وأثقلت كاهله أعباء الحياة. وما كان أحوج محجوب إلى الفتح والفرج حينئذ.

من قصة “نخلة على الجدول” / كتاب “دومة ود حامد” للطيب صالح

موسمٌ ككلِّ المواسم

29 يناير 2010

“هذا موسمٌ يحلو فيه الشرودُ، والشرود رجلٌ لكل المواسم”

هُنا في هذه الطريق الممهدة للمشي، بينَ أوجه المقبلين والمدبرين، بين مرضى السكرِ والسمنة والحبِّ والخديعة، يطلُّ بوجهه، يمشي حثيثًا ومعه صاحبُه، بل يمشي مع صاحبه، وصاحبه يقول: “ساعة ونصل إلى نقطة البداية” فتساءل: “ماذا يكونُ بعدَها؟” لم يبدِ ما جال بخاطرِه.

كان الهواء باردًا عليلاً يلامسُ القلب قبل الأديم، القمرُ استقرَّ بدرًا في السماء، والأقمار تسير عن يمينٍ وشمال، باتجاه الريح وعكسِه، يعرف قِبلةَ الريح من وريقاتِ الشجرِ المتطايرةِ ومن العباءات. صاحبهُ يتربّص بهذهِ الأقمار، أما هوَ فقد اختارَ دورَ النملةِ في الوعاء، لمْ يخُض حروبًا بالنيابةِ يومًا، ولم يخُض صاحبُه إلا حروبَه.

يمانانِ أحيانًا شآمانِ تارةً، يسيرانِ وأحذيتُهما الرياضيّة تهوّنُ من انخفاضِ الأرض وعلوِّها. عيناهُ تزغللان فكأنّ القمر انصهرَ في السماء واختلطت أنوارُ الشوارعِ ببريقِ النجيماتِ، ما زال سمعُهُ مشوّشًا، وقد أمسى الهواءُ يصبّ في أذنه قولَها: “أحبُّ الترابَ الذي تطؤهُ قدماكَ”، إذًا هي تحبُّ الغبار المنتشرَ على سطحِ هذه الطريق.

لو سألتَهُ لِمَ تمشي في هذا الشارع لقالَ: “أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيت” أو لصمتَ، في هذه الليلة التي تشبه مثيلاتِها لا يحبُّ الكلام، رأى ابنَ عمِّه فنآى بجانبه، لا يحبُّ العناقَ، رآى أباهُ وسلّم عليه على عجالةٍ، قبّل رأسَه واقفًا ومضى، رأى حبيبتَه فتكلمَتْ وأنصتَ.

يمشي هُنا، لأنه مصابٌ بالتخمة، أتخمَه الطعامُ وأتخمه القَدَر، لم يُبلّغْه زمنُه ما أراد، ولم يبلُغْهُ بيدِه، ولم يبلغهُ غلابًا.. لا يريدُ الكثيرَ وصاحبُه يقول: “ساعة واحدة.”

لو وضعتَ الأمرَ في يدِه لما رضِيَ بأن يمشي مع صاحبِه خلف البنات الثلاثةِ، يقولُ صاحبُه: “الكبيرةُ لي والصغيرة لك” وهو يكتم سؤالاً في صدرِه: “لِمن الثالثة؟ أنتركها ليتخمها القَدَر؟”

صاحبُه يخطط لغزواته بجواله، يحشدُ لها البصرَ والقلبَ وشِعر النبط، يريدُ أن يبني مستعمراتٍ كثيرةً، واحدةٌ لا تكفي أبدًا! واحدةٌ للحبّ، وأخرى للنزوة، وثالثةٌ للبكاء، ورابعةٌ للضحك. يقولُ صاحبُه: “تناسبك الصغيرة” فيقولُ: “في المرّة القادمة إن شاء الله” لقد اختار دورَ النملة في الوعاء.

لا يخوضُ صاحبُه حروبه علانية، كان شاعر النبط يحضّر في نفسه قصائدَ جديدةً للأنثى القادمة، لم يكن ساذجًا ليغازل النساء بالقصائد، تكفيه قامته الطويلة ونظراته الرصينة التي يكتنفها الغموض والفجور وملابسه الرياضيّة الأنيقة، يمشي كأنما بُسطت له الأرضُ وكأنّ النساءَ خُلقنَ لأجلِه. حديثُه ذو شجون ولو كان قارئًا قصيدته لامرأة لقرأها في الهزيع الأخير من الليل، ساعةَ تخضلّ القلوب وتغرورق المقل. يفخرُ بنفسه دونَ أن يصرّح، ومَن غيرُه يكتب الشعر على البحر الهلاليّ؟ يسأله: “أتكتبُ الشعرَ على البحر الهلالي؟” يقول: “لا” يسأله: “تعرف البحر الهلالي؟” يقول: “لا.”

هذا رجلٌ لا يميّز بين القافية والسجع، لم يكتب الشعرَ يومًا كصاحبه، لا يقرؤه ولا يحفظ منه إلا قصيدة أمريكية مترجمةً، ولو لمْ تقرأها له حبيبته لما حفظها. مرة في المدرسة حاولَ أن يكتب الشعرَ، فضحك منه أقرانُه ومعلّمُه، وفكر مرة أن يكون رسامًا كبيكاسو الذي لا يعرف عنه إلا اسمه، فقال له أستاذ الفنية: “عندك مستقبل” فعلمَ من تعابير وجهه المزيفة أنما أراد رفع معنويّاته، وحاول يومًا أن يجمع الطوابع هوايةً، فلم يجدْ إلا طوابع عليها صورة سوهارتو وجزيرة سومطرة، وقرّر يومًا جمع العملاتِ، ولكن لم يقع في يديه إلا الريال السعوديّ. عَلِمَ وهو غضّ البنان أنما هو مجيدٌ للإنصات فقط ولا شيء غيره. فكيف أحبته تلك المرأة إذ أحبته؟

بودّه لو كانت تمشي حبيبته معه بدلاً من صاحبه، ولا أسوأ من أن يدخل ثالثٌ لا يعرفهُ عليهم في سيرِهم. رجلٌ يشجع الهلال ويلبس قميص النصر، عمره أربعةٌ وعشرون ويلعب الكرة في أشبال النادي، وفيٌّ لحبيبته ولكنّه يتغزّل بكل امرأة تمرُّ بهم، يعطيهم من حديث الحكمة كالثعالب: “أجمل مرحلة في حياة المرء بعد إنجاب الطفل الأول، ويا حبّذا الذَكَر. أنت متزوج؟” يجيب: “لا” يسأله: “تفكر بالزواج؟” يجيب: “لا” فأحسّ بثقلِ صحبتهما وتركهما متسائلاً: “كيف يرضى صاحبه بالمشي معه؟”

وهو بعيدٌ بقلبه، بوده لو كانت تمشي حبيبته معه، هذه الطريقُ تنخفضُ وتسهلُ حين تطأها المرأة، هذه الأرض تخضرُّ وتعشبُ حين تمرّ بها المرأة، هذه السماءُ تمطرُ ودقًا حين تسيرُ تحتَ سِماكِها المرأة.

“هل أحضرتَ قارورةَ الماء؟” أجاب: “لا” قال: “هل تشعر بالعطش؟” قال: “عطش لا يُميت” والناسُ لا تعطش كثيرًا في هذه الطريق، وهو وإن عطش، تعلّم ألا يجزع وألا يشكو. تقول أمّه: “كن قنوعًا”، وأبوه فخورٌ به.

لا يجزع، ولا يكثر من الفرح، والمفاجآت ليست منه ببعيدة، فقدْ قرر أن يتوقف للمقابلة التلفزيونية، وابتسم للمذيعة، وافق على أن يتكلم إليها، بل سعى إلى المايكروفون، فسألته سؤالاً ساذجًا: “هل تقبل الزواج من امرأة أكبر منك سنًّا؟” قال: “لن يكون سنُّها عقبةً” هنا تبتسمُ المذيعةُ وتقول: “شكرًا” يقول: “هل تسمحين لي بأن أقرأ قصيدة لبيلي كولينز؟” تبتسم مرّةً أخرى وتقول: “في المرّة القادمة إن شاء الله”

إن شاء الله، إن شاء الله. أكمل المشي مع صاحبه، وفي باله القصيدة:

[ أنا نملة في وعاءٍ أزرق
على طاولةِ الأمير القاسي

حيثُ تُناقَشُ خطط الحروبِ
ونبيذ الأرزّ يسكب بكثرةٍ

ولكن حتى لحظةَ غضبه
حين يضربُ الطاولةَ بالسكينِ

أكملُ الدورانَ في الوعاء
ذي المقابضِ البرتقالية والعنب الأخضر ]

هذه نملةٌ أبديّةٌ. سوف تدور نملة واحدةٌ في الوعاء، وسوف تقتاتُ مئة نملةٍ على السكرِ في وعاءٍ آخرَ، وسوف تأكلُ مليونُ نملةٍ أجسادًا تخطط لبناء المستعمراتِ في أقاصي الأرض وأدانيها، وفي قلوب النساء.

قال لهُ صاحبه: “سوف نصل إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة” فسكت وأحشاؤه تضحك. سوف يصلون إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة، والنملة ستدورُ وتدور وتدور.

فلانة الفلاني ..

1 يناير 2010

جلوسي هنا ليس من أجل انتظار أحدٍ، أنا لمْ أنتظركَ ولم أنتظرْ أحدًا! لا أنتظرُ فارسَ أحلامي ولا منقذًا، في هذا الكرسيّ من الصالةِ، لا أنتظرُ إلا برنامجًا تلفزيونيًّا، لأهرُب من الصروفِ التي تثقل كاهل القويِّ ذي البأس والمرأةِ الصبور.

أنتظرُ، أنتظرُ، والمكانُ مشوّشٌ، لا يأتي البرنامجُ! يتغيرُ المكان فجأةً.. يختفي التلفاز أصلاً! دهرٌ مختلفٌ، ولا أحسّ بمضيّ المرحلة الانتقاليّة، أنا فقط، أنا جالسةٌ وحدي في قاعة الدرس.

أوراقي أمامي، أكتبُ وأحضّرُ، لأيّ شيءٍ، لِلاشيءٍ، لا أعلمُ ولا أبذل جَهْدي لأعلمَ ما أنا أكتب، لكنّ الغريبَ في رأيي كيفَ تفتح تلك المرأة الباب! كيف تمشي بخفّة، إلى الكرسي الذي يقعُ بجانبي، كيف تسحبهُ وتجلس عليه!

هذه قاعتي، قاعة درسي أنا، أنا من صنعتُها.. لا يحقّ للغرباء أن يجلسوا بها، إلا بعد إذني!

- لماذا جلستِ هنا؟! من تكونين؟
- أنسيتِني؟ أنا فلانة الفلانة..

اسمها غامضٌ، ألقيهِ على كل امرأة تمرّ بي، كل امرأةٍ لا أعرفها، لكنني أعرفها! أعرفها جيّدًا، شريط الذاكرة سار سريعًا إلى الخلف، أخرجها وأظهرَها، أعادها إلى الذاكرةِ بسرعة البرق: (فلانة الفلاني، بنتُ العائلة الغنيّة، ذاتِ الجاهِ والمال والشرف، كنا نركب السيارة معًا، يومًا ما من الماضي الغريب ركبناها، ركبنا سيارتها الفارهة، وملابسها، ما أجمل ملابسها، مضربَ الأناقة والفخامة) هي بجواري وملابسها رثة.. ملابسها رثة؟!

- ماذا جرى لكِ يا فلانة؟!
- لا شيء يذكر.. أزمة تذهب المال وتذهب العقل وترهق..
- ولم جئتِ هنا؟
- أطلب يدَ العون..
- منّي أنا؟
- الحاجة يا أختي
- ما مكنّي فيه ربّي خير.
- أريدُ وظيفةً وراتبًا ثابتًا..
- ما كنتُ صاحبَةَ شأنٍ وواسطة
- أريدُ مبلغًا كبيرًا، مبلغًا لا أطلبُ بعدَه أحدًا!

سكتْتُ لوهلةٍ، ثم قلتُ:
يا فلانةُ لا تسرفي الطلبِ، اطلبي هيّنًا، المرء يطلب المستطاع ليطاع، فاطلبي المستطاع، اطلبي المستطاع أُجبْ..

نظرَتْ إلى، وابتسمت، ولم تبقِني إلا لتضمّني إليها، ضمتني إلى صدرها طويلاً:
هنيئًا لي بصدقِك، هنيئًا لي بك، لم تماطلي كما فعلوا، ولم تساومي عمَلَهم، صدقتِ وكان خيرًا لي ولك..

هذا شيء، هذا موقفُ صدقٍ، أهذه أنا؟ شكرًا لهذه المرأة الغيبية، شي لهذه المرحلة. شيء ما غيّرَ وجهَ هذه المرحلة الانتقاليّة، لستُ في القاعةِ، ولا أنا في الصالة، في مرحلة انتقالية أنا! شكرًا لفلانة، شكرًا للصدق الذي أريده..

يمضي كلّ شيء، ولم يمضِ الكثيرُ، لا القاعة هنا ولا فلانة.. من هي فلانة؟ أنا؟ ومن أنا؟ أين الصدق من هذا؟ أين الصدق؟ أبتعدُ عن الغيبِ شيئًا فشيئًا، لا جديدَ في هذه الصالةِ، كلّ ما في الأمر أنني أنتظرُ البرنامجَ التلفزيونيّ، ولا أنتظرُ أحدًا!

سأدخلك قلبيَ يومًا… ولو لم أفهمك

26 ديسمبر 2009

- أنت لا تبوح لي كما أبوح لك!
- أنا رجل..
- هلاّ أخذت أذني أو أعطيتني همّك؟!
- افهميني، أنا رجل..
- كفاكَ مكابرة! قل شيئا ونفّسْ عن نفسك لي..
- أنا رجل يا حبيبتي.. وأنا شاعرٌ

لا خواتمَ بأصابعي، ولم تنتهِ رحلتي على قلوب النساء من الجنوب إلى الشمس، لكنني مطمئنٌ بما تخبئه القصيدة لي، القصيدة يا حبيبتي أخلصت يوم تاهتْ أقدامي، القصيدة أخلصت يوم خانتني المرأة، يوم تعرت مشاعري من جَلَدي استحالت القصيدة سترًا لها.

وأنا شاعرٌ، أحبّ المرأة لأنني أحبها، لا يهمني ما يحمله المدى لي من المفاجآت وقد أضحى قلبي قليل الدم، لا يهمني لو ذهبت المرأةُ إلى رجلٍ آخرَ، غدًا ستأتي امرأة ثانيةٌ لأحبها، لم أعد أتهيب قنينة الخمر، لم أعد آتهيب المرأة اليعربية، فما زال هناك حيّزٌ في القلب المتحجر للحب.

احمليني على ذاكرتك الممزقة، واقرئي لحبيبِك القادمِ شعري، واسكني أرضًا محايدة؛ وما زال في الجنوب متسع.

- أنتَ تهرب من حبِّنا!
- أنا أهرب من الماضي..
- إلى أين؟ إلى الحاضر أم إلى المستقبل؟!
- بل إلى القصيدة والحب..
- حبّي؟
- أجل
- متأكد؟
- ربّما، فأنا شاعر..

قيّدتُ أحرفي ما استطعتُ، وقد اتخذتها ملجأً مجبرًا؛ فيها رحلتي الحقيقية، التي جعلت فيها الواقع بلا ألوان، حيادًا، حبيبتي صديقتي، صديقتي حبيبتي، تتراءى لي بلقيس وسيارتُها، كأنها سيارتي، وقصيدتي لها، قصيدتي أعلقها على صدور الرجال والنساء.

قصيدتي لا تشق إلا صدرَ حبيبتي، وحبيبتي لم تعد تعرفني، وحبيبتي تبكي لأجلي، وحبيبتي تبكي جرّاءَ سطوة لساني، وحبيبتي تبكي في غيابي ولا تموت بسببه، وحبيبتي تقرأ شعري ولا تفهمه، وحبيبتي تسبح بين ساعدَيّ وتموت في القاع، وحبيبتي أعطتني دورَ الوصيّ عليها، وحبيبتي تجذبني بأمراضها الوهمية، وحبيبتي اختارت ألا تكونَ حبيبتي… حبيبتي قصيدتي التي كُتبت دون مشيئتي.

- من حبيبتك؟
- حبيبتي الأولى.
- وما موقعي من الإعراب؟
- أنت صديقتي الحبيبة.
- لكنك تخلطُ بين دورينا!
- ربّما، ولكنني أحبك…

ادخلي قلبي، واقرئي مدوناتي وخربشاتي على جدرانه، وابحثي عن صورتك الرمزية فيها، ابحثي عن صورتك المعلقةِ في قلبي / حذارِ أن تخلطي بينها وبين صورة أمي، مريمُ قادرة على المشي هونًا ما، من قلبي إلى رئتي، ومن رئتي إلى بصري، ومن بصري إلى مخيلتي / دعيها وشأنها، وامشي في نواحي قلبي.

ستجدين فيه صندوقًا أسودَ، افتحيه واسمعي ما كان يدور بخَلَدي ساعة ضممتُكِ إلى صدري… هل كنتُ أجلدُ ذاتي بما فيه الكفاية؟ لقد ضممتُك وقُضي الأمرُ! لكنني بكيتُ في يومٍ ما، أجل، بكيتُ؛ يومَ لم تأخذي بيدي عنك، يومَ رضيتِ عنّا نتّحدُُ في المدى…

لم أبكِ طويلاً، عملتُ على قلبي، أنا ما زلتُ أحاول أن أضبطَ إيقاعَ خطاي وأن أجعلها توافقُ نبضَ قلبي، شيئًا من الانسيابية في الحركة، إيقاعكِ، قلبي، أقدامي… أيشبهُ رقصي حينَها الحبَّ؟

عندما أمسك كفيْكِ، وأنظر إلى عينيكِ البرّاقتين، وأبتسم ابتسامةً حاضنةً مغمضًا عينيّ، وأوجّه أنفاسي إلى أذنك اليسرى، أدخلك قلبي لتجولي بين تفاصيل نبضِه، وأهمس: أحبّكِ… هل يجب أن تتأكدي من مصداقيتي عندها؟

- وأنا أحبك…
- لن ترضى بذلك حبيبتي…
- أنا حبيبتك يا مجنون!
- أنتِ حبيبتي الصديقة…
- لا تفعل ذلك بي! ستقتلني والله ستقتلني…

لا بأس، أنتِ ما زلتِ على قيد الحياة، وأنا نجوتُ قبلَك، لم يمت أحدٌ، ظننتُني أوّل من أحبّ، وظننتُني أوّلَ من أصيبَ في قلبِه، ولكنني أدركتُ أنني ما زلتُ حيًّا ساعةَ أيقظتني الشقيقة من نومي، عندها أخذت حبّة الإميتريكس، لتذهبَ الشقيقةُ ولتجف دماء قلبي، عندَها يا حبيبتي…
قررتُ أن أحبّ مرّة أخرى وأن أكتبَ الشعر…

نسيمٌ من القلب يمضي إلى القلب
بحثًا عن الحب، والنبض، والقافية