يبكون
27 أغسطس 2010لم تكن جمعتي مختلفة كثيرا عن سابقاتها, نوم متقطع وأحلام كثيرة، خوف وتوتر من اقتراب أسبوع جديد، حزن وأسى على ماضي مضى في أسبوع وفي عمر سبقه، صمت طويل يسبق الصلاة، ترديد لشيء من الذاكرة؛ هذه المرة “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه”، غرفة نوم باردة، مسجد متوسط البرودة، صوت عبد الباسط يرن في أذني، وهنا خطيب لا يحسن إلقاء الخطبة، هنا مصلون من كل حدب وصوب، هنا أصوات النساء والأطفال عند عتبات المسجد، أصوات تقطع كل سبيل للخشوع إلى النفس في الصلاة.
وقف الخطيب، وظل يخطب، يتكلم فيما يعرف وما لا يعرف، كلامًا منطقيا أحيانا وأحيانا غير منطقي، ولا بأس، فالمجال ليس مجال سجال فكري، بل هو مكان للوعظ، ومن نعم الله علي اليوم أن الخطبة لم تكن عن طاش ولم تكن تجريحا في شيخ أو مفكر أو مخالف، بل كانت عن التسول، عن أخطائنا.
أنا أتذكر اليوم كل حديث عن هذا الموضوع، القديم في ذاكرتي، فأنا عندما أرى أطفال الإشارات أعلم جيدا أنهم جاؤوا من دول عربية وغير عربية مجاورة، نقلوا في سيارات وتُجاوزت بهم الحدود، حتى وقفوا في هذا الموقف الصعب، تحت أشعة الشمس الحارة أحيانا وتحت صقيع الشتاء أحيانا، يكدون كدا لدلوك الشمس إلى غسق الليل، يقضونها بين التذكير بالله والدعاء والمدح والاستعطاف!
تحدث الخطيب، وأسهب، عن طرقهم الخاطئة، وعن الطرق السليمة، عن الجمعيات الخيرية … واليوم عندما أضحى العمل التطوعي حديث الساحة، كأنما أدركنا أن التطوع لا يعني أن أعطي ذا الثوب الممزق والخطاب المجلد، ذلك الجالس على باب المسجد، عشرة ريالات أو خمسة، إنما يكون بالعمل الجاد والسعي في حل مشاكل المجتمع التي تصل إلى الغذاء والمعيشة والتعليم والبيئة، بالمبادرة بالمال والجهد … لا يُختزل التطوع في إعطاء الواقف بباب المسجد.
قال لي مرة الدكتور محسن النمري إن إعطاء المتسولين في الشوارع حرام لأنه مساهمة وحث في التسول، بل إنه دعم للعصابات، إذ يدر عليها التوسل أرباحا كثيرة … والخطيب اليوم خطب خطبته التي كانت رتيبة، ضعيفة الإلقاء، ولكنني ألقيت السمع، وعدت بالذاكرة إلى الخلف، وتذكرت كل متسول وكل ريال يذهب في يديه، يا ترى أين وصل ذلك الريال؟ أؤطعم به المحتاج أم نُقل به متسوّل جديد عبر الحدود؟
صلى بنا، وقرأ سورة العصر والكوثر، فكان ذلك تخفيفا علينا، جزاه الله به خيرا. ثم خرجنا من الباب في تزاحم وتدافع، لنعود إلى الحياة الحقيقية: نساء واقفات وجالسات على باب المسجد، بأكياسهن وأوراقهن، كن يسألن الناس، والناس عادت لتعطيهم… هنالك رأيتُ امرأة تبكي وتولول، حزن شطرٌ من نفسي على بكائها وشطر آخر أجابه: إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاءً يبكون!



