قال لي لا وعيي سامحهُ الله:
أفاقَ رأسكَ اليومَ بعدَ زيارةِ زائرةٍ لا تعرفُ الحياء، فإنها تزور في الظلامِ وفي الضياء، هذهِ الشقيقةُ ظلتْ تكثرُ الزيارةَ في الأيامِ الأخيرةِ لما صاحبَ الجسمَ من مرضٍ تداعتْ لهُ بالسهر والحمّى، فذهبتَ مسرعًا إلى حيثُ تضع حبوبَ الإيميقرانِ، فوجدتَ العلبةَ فارغةً من كلِّ شيءٍ إلا الهواءَ، لمْ تفكّر طويلاً قبل أنْ تنظرَ إلى ساعتكَ لترى أنها الرابعةُ فجرًا، أي انقضتْ الصلاةُ قبلَ ثلثِ ساعةٍ، فحملتَ ألمكَ و(لوْعتكَ) مسرعًا إلى سيارتكِ بحثًا عن صيدلية تفتحُ أربعًا وعشرين ساعة..
إذن الهدفُ الأول: بخاخَ إيميقرانْ للأنفِ.. فإن لم يوجدْ فـ : حبتينْ إيميقران رغم ما قدْ يلحقانِ المعدةَ من تعبٍ وجهدٍ أكبر.. المهمْ أن تخمدَ هذهِ الثائرة المستوطنةَ شقّك
وهكذا ظللت تقود سيارتكَ: عابسَ الوجه، مغمضًا عينكَ اليمنى، ممسكًا المقودَ بكلتي يديك، والأصواتُ بينَ آه وَ ممم..
لتبدأ رحلةُ البحثِ عن الصيدلية.. هل كان بحثًا؟
لا.. فأنتَ تعرف جيدًا مواقع أشهرِ الصيدليات المناوبة.. فتنطلقُ إلى أوّلها.. ولكنْ: مغلقة!
لا تطيقُ الانتظارَ، فثقلها يشقي رأسَك وتمضي إلى الثانية فتكونُ كسابقتها.. مغلقةً!
يختصرُ تفكيرُك الغيرَ قادرٍ على التفكيرِ، لما صارَ يعمّ الجسد من تصلّبٍ والرأسَ من تفتّق، والبطنَ من غثيانٍ، ويُملي عليكَ أن اذهبْ إلى الصيْدليةِ الأشهرِ في الخبرِ، والمعروفةِ مناوبةً دائمًا.. تصلُ إليها.. وتلقىَ مكتوبًا: 24 ساعةً.. وتقولُ ربّي لا تجعلها كأخواتها، فإذا وصلتَ فإذا الأضواءُ في سباتها، والأشباح تحرسُ أبوابَها المغلقة.. فوقفتَ منهكًا مثقلاً، ولم تسطعْ لدموعٍ سقطتْ من عينيك المجبرتينِ منعًا.. وضربتَ على بابِ الصيْدليةِ بيدٍ مفردةٍ وبزوجٍ!
سمعَ الضربَ أهلُ الحيّ، ولم تلامسَ نخوةَ الصيدليّ الذي لم يكنْ ليقومَ منْ سباتهِ لمريضٍ شتتتهُ الشقيقة..
وتحتَ سطوةِ هذا الألمِ والتعب، جثوتَ مرغمًا أمام بابها، عندَ شجرةٍ مهملةٍ، وسمحتَ لغثيانكِ أنْ يفعلَ أفعاله، في ظلٍّ تأوّه تهتزّ له الجبال…
عدتَ يائسًا إلى غرفةِ الطوارئ، لتعلنَ لهمْ نفسَكَ ضيفًا متكررًّا ليومينِ متتاليين، وتسمحَ للأبرِ أن تعثوَ في دمكِ ورأسكِ وكلاكَ كيفما شاءت.. بعدَ ذلكَ طغيتُ عليكَ عندما سمعتكَ تلعنُ وزارتي الصحةِ والعمل ومسئوليها..
وأنهى حديثه.. بتساؤلاتٍ: هل وضع دعاية (24 ساعة) فوقَ صيدليةٍ أمرٌ ملزمٌ لها لتعملَ به؟ أمْ أنهُ وسمٌ تتزيّنُ بهِ لتثيرَ ارتياحَ المريضِ في النهار؟ وأينَ وزارتي الصحةِ والعملِ عن هذا الأمر؟
هنا كممتُ فمهُ.. وطلبتُ منهُ أن يتذكّرَ أننا في بلدٍ مسلمٍ تجدُ صيدلياته من الاهتمام والتنظيم ما لا يجده غيره.. وقلت له: احمد ربك بس ولا يكثر!