سَنَة نمحوها بالسفر
10 أغسطس 2010هُنا روابطُ جميع الأجزاء بالترتيب:
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الخامس
الجزء السادس
الجزء السابع
الجزء الثامن
…
هُنا روابطُ جميع الأجزاء بالترتيب:
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع
الجزء الخامس
الجزء السادس
الجزء السابع
الجزء الثامن
…
8
_______________________________
واقفًا بين مرآتين، أبصرُ وجهي وشعرَ رأسي مئة ألف مرّة، مَنْ مِنّا يحدّقُ إلى مَنْ؟ أنا هناكَ، هنا، لا أنتهي، أتجدّد كطائر الرعدِ الهندي، هو الكونيّ، يطيرُ تيّاهًا في الأفق، يغضبُ رعدًا وغيثًا للقلوب، ويحبّ ليربطَ الكونَ بالكون.
رحلتُه الطويلةُ قصيرة. تقصر الرحلةُ من جدة إلى روما، وتطولُ من الرياض إلى مكة، وطريقُ المدينةِ يشقي أحيانا؛ لا بدّ لبلقيس من أن تنسى رحلتها إليّ، وعلى صديقتي العسيريّة أن تشدّ من أزري (هوِّنْ عليْكَ)، ولا بدّ لي من شكرِهما وحبيبتي، ولن أشتم أحدًا.
لن أشتم المرأةَ السوداء ذاتِ الجواهر والجمع الذين تجشّموا هدمي، لا تردّ الشتيمةُ ضائعًا ولا تحيي ميّتًا ولا تدفعُ عنّي طعنًا في الشرف، الشتيمةُ لا تحول بيني وبين حجارتِهم. شتَمْتُهُمْ في منامي، لكنني قلتُ لهم ساعةَ أفقتُ: لا تثريبَ عليكمُ اليوم، يغفرُ الله لكم.
لربّما تلاقينا في مجلسٍ أدبيّ في الجنة، يحضرُهُ أبو الطيب وأبو العلاء وأبو تمام، فنقرأُ الشعرَ لبعضنا، ونبوحُ بقصصنا مع النساء وعن النساءِ بلا ضغينة.
ولربّما سافرتُ في الجنةِ، من أقصاها إلى أقصاها، وقطعتُ ربوعها وبحارها وسماواتها، ولربّما استقبلتني أمي كما تستقبلني بعد كلِّ غيابٍ طويل؛ أبادرُها بقبلةٍ على جبينها وأخرى على ظاهر يمناها، فتحضنني وتقبّلني عشرينَ قبلةً على خدي / مرحبًا يا ابن بطوطة!
لم تقلْها أمّى راضيةً تمامَ الرضى، ولو تحدّث خَلَدُها لقال: والله ما تهنّيت فيك!/ ولكنها توسِعني قُبَلاً لدى اللقاء، وعندما أعلق شماغي تنظرُ إليّ نظرةً كُلُّها تحسُّرٌ، هي تعلمُ يا سادة أنّما أقفُ على واحةٍ في فلاةٍِ، لتشربَ إبلي وأملأَ القربَ، وبعْدَ قليلٍ ألبسُ الشماغَ وأواصلُ السفر.
قلتُ لفرانز سيورد: أريدُ أن أمدَّ قدميّ وأن أنامَ نومًا طويلاً. فقالَ: ليسَ بعْد، ليس بعْد.
سفري كثيرٌ ماضيهِ يا أحبتي، وباقيهِ أكثرُ مما مضى.
( انتهت )
7
__________________________________
ثمّ ماذا بَعْد؟
هل كانَ هذا سفرُك؟ إلى بيت الله ثم إلى الغرفة البيضاء؟ هل التقيتَ بها؟ هل عانقتَها؟ هل قبّلتها؟! ما الذي جرى؟ هل تحبُّها حقًّا؟ لا أدري! هل تحبُّك؟ لا أدري! أنتمَا تعبثان!
من منكُما قتلَ الآخر بعبثِهِ؟ لم يمت أحد / كنتُ أحسبُك أخًا! وأنا كذلك! كنتُ أحسبُك لا تخطئ! وأنا كذلك.
أخطئُ وأسافرُ لأواريَ سوأتي، أسافرُ أبحثُ عن مكانٍ أبدّل فيه أقنعتي وأمتطي بهِ ناقةً جديدةً أو فرَسًا، أبدّلُ أقلامي وأوردتي وربما امتشقتُ حسامًا، أتخلصُ من أحمالٍ رُبِطَتْ بثوبي، أغسلُ رأسي بماء زمزم وبالشامبو .. لربّما التقيت بحبيبتي، هي تطلبُ لقائي ..
وهل التقيتَ بها؟ من منكُما المسافر؟ من المسافرُ من الرياض إلى مكة إلى جدة إلى روما؟ من المسافرُ من الواقعِ إلى الذاكرةِ إلى القصيدةِ إلى العقل العالي؟! من سافرَ وقتلَ الآخر؟ أنا المسافر ولم أقتل أحدًا!
كيف تمحو سنتك؟ من منكما المتوشح بالسواد؟ هل تحبُّها حقًّا؟ هل تحبّك؟ بعدينْ حرامْ تحب؟ لا أدري! هل يغفر الله بعمرتك ذنبك الماضي؟ هل يغفر ذنبَك الآتي؟!
وما كان ذنبي؟ الحبّ؟ أم السفر؟ بدا كلُّ شيءٍ، وبدت كلُّ خافية / ما الذي جرى؟ هم اختلقوا ذلكَ من العدم، والعدم الفرد أزمنة – في السفر! هل تستطيعُ ردّهم؟ لا! لماذا؟ أنا قريبٌ من بيت الله / اذهب إلى مكانٍ آخرَ .. جدّة! لا! لماذا؟ يفقهوا قولي / آتلانتا! يفقهوا قولي / خذِ الطائرة وانزل في مطار فيوميسينو .. روما هل تراها؟ أرى شارع فيّا آبيا انتيكا .. / من ترى فيه؟ صديقتي العسيرية / ومن بعد؟ أمي / ومن؟ مريم الصغيرة / ومن؟ ريحان ومتعب! هل تخافهما؟ بل يخافانِ من طول أهدابي.. / لماذا؟ لديٌّ سرٌّ أعلقه فيها! ماذا تمسِكُ في يمينك؟ ديوانَ المتنبي / وفي شمالِك؟ رأسَ فاتك!
إذن انظر إليهم جيّدًا واسمع صوت أقدام المارّة من ورائك .. من أمامك؟ ريحان، متعب، المرأة السوداء ذات الحلي والجواهر، المستجيرات من الرمضاء بالنار، الحويكم ذو العيون الحمراء، نفرٌ كثيرٌ / ماذا تقول لهم؟ أنا مسافرٌ! وماذا بعد؟ والمسافر هيكليّ الجسمِ نوريُّ الصميم! وماذا بعد؟ والمسافرُ القتيلُ القاتلُ! وما تقولُ لهم؟! أخشى أن تسمعني أمّي! لن تسمعَك أمّك!! / أخشى أن تسمعني صديقتي العسيرية وبلقيس! لا يسمعُك إلا الذين جمعوا أمامَك لك!! أين أنا؟ أنتَ في فيّا آبيا انتيكا .. هيّا اصرخْ!!
بافنْكولو!!
6
__________________________________
( أوتو أوتو ) أهل اللحى يقفون قرب المقام، ويدفعون النساء من إيران وباكستان وتركيا، وكأننا لا نكترث ولو فرح بعضنا أو غضب، فتأففتِ النساءُ ومضينَ مجبراتٍ إلى الخلف، والسخطُ يعلو وجوههن ووجوه أهليهن! وتلك البنتُ التركية بينهن، لها جمال تعلوه جاذبية، وشباب غض يفتنُ المحرم، والله جميلٌ يحب الجمال، أجزم أن صديقتي العسيرية تشبهها، ولربما التقى نسبهما في جدٍّ واحدٍ ( أوتو أوتو ).
صلينا ركعتين، ولم نكد نسلّم حتى وقف المؤذن ينادي للصلاة أذانا، ثم لم ننتظر طويلاً حتى نادى إليها إقامةً ( قد قامت الصلاةُ .. قد قامتِ الصلاة ) جاء الإمام ولم نرهُ يوم كبر وقرأ، إنما كان صوتهُ اللطيف، كان يتغنى بكلام الله ويناغم أسماعنا، ونحنُ نشعرُ أنما نحنُ وقوفٌ عند سدرةِ المنتهى، قريبا من اللهِ واللهُ قريبٌ يجيب دعواتِنا وعبراتِنا حين يقرأ الإمامُ: ( ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق )، بلى والله، بلى! ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
كانت صلاة كأي صلاةٍ في بيت الله الحرام، خفيفةً على الروح، مريحةً لها مما كان ومما سيكون، ولا يصلح أن نبدأ السعي بعدها حتى نزور حوض زمزم تيمنًا بما عملت هاجر، فنغسلَ رؤسنا وصدورنا، ونشرب حتى نروى، ونجددَ وضوؤنا. قمنا بذلك بنية الشفاء والإيمان والعلم والحب.. والحب؟! نعم، فأخونا ابن عربي القائل: أدينُ بدين الحبّ .. والإسلام دينُ الحبّ يا أحبة، ربّ اجعل حبّك يعلو أي حبّ في قلوبنا.
والمسعى بمزدحمٌ بالمحبين مزدانٌ بحركتهم الموتموجة البهية، نسيرُ أنا وبدرٌ به ونهرولُ (ربّ اغفر لمن دخل قلبي يومًا)، كنتُ أمضي على قدم وساقٍ من الصفا إلى المروةِ، ومن المروةِ إلى الصفا (إن الصفا والمروةَ من شعائر الله)، ونحنٍُ نسعى وأنا تشغلني الهواجسُ تارةً والأذكارُ والدعاءُ تارةً أخرى، وأنا وبدرٌ كلّ على طريقته كأنما لا نعرف بعضنا كثيرًا، إنما أمشي بالقرب منه ويمشي قريبا مني، أقوده ويقودني، وقلبي يقودني كثيرًا بالهواجس.. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.. لم أُصب بتسلخ الجلد هذه المرة، ومضت الأشواط السبعة بسلامٍ ( ومن تطوع خيرًا فإن الله شاكر عليم ). بحث بدرٌ في حقيبته عن المقص ووقفت بجانبه وبحثتُ معه، كأن خصاما كان بيننا وزال من أجل مصلحة المقص، ثم قصصنا بعض شعرنا، وتحللنا من إحرامنا، وودنا لو لم تنتهِ العمرة.
نخرجُ بحثا عن عبد الغفار والسيارة بعدما انقضت عمرتُنا، عمرةُ انقضتْ ومحونا بها شيئًا من سنتنا العسيرة، والآن هل ألتقي حبيبتي غدًا؟ هل أفي بوعدي؟ ألا يضيع ذلك أجري؟! ( وبعدين حرام تحب ) ؟ وابن عربي يقول هو دين الحب! حرامٌ أن أحب؟! وابن القيم يقول ذلك مما لا يملك الرجل! حرامٌ أن أحب؟!
جرتْ عمرتي كما أريدُ .. ثمّ ماذا بعد؟!
5
__________________________________
( فإن مع العسرِ يسرًا ، إن مع العسرِ يسرًا ، فإذا فرغت فانصب ، وإلى ربّك فارغب ) كانت سنةً عسيرةً، وبعدها ننصبُ ونرغبُ إلى الله.
شققنا جموعَ الواقفين والخارجين في سعيٍ كأنما هو من أجل قطف نجوم المجد من سماء عالية، أو سعيٍ إلى الوقوف على منبرٍ لا يعرف الناظرُ إليه أهو لإعلانِ الصمود آم لإعلان النصر في المعركة، لكنما كنا نسيرُ إلى الكعبةِ، لنرى بيت اللهِ يا سادة.
وها إن الكعبة تبدو لنا شيئا فشيئا من وراء أكتاف الأنام، كأنها رجلٌ يصعد سلمًا ليتراءى لنا شيئًا فشيئًا.. هذا رأسُه، وذان منكباه، وذا صدره.. لا أقدامَ له، لا أقدام. هذهِ الكعبة يا بدرُ! أعظم من منظرها التلفزيوني.. عظيمة والله أعظم.. ( اللهم أنتَ السلام، ومنك السلام، فحيِّنا ربَّنا بالسلام ).
لم تكن في يد أيٍّ منا عصًا نضرب بها الناس فتنشق الصفوف، ولكننا بسحرٍ وخفةٍ شققنا الجموعَ شقًّا، حتى رأينا الدمشقيّ كثيف اللحية، هو من يدعو لأهل دمشقَ، وأنا أكادُ أجزمُ أن لو كان ابنُ قيّم الجوزية حيًًّا لكان في جسد هذا ووجهه ولحيته. آه من ابن القيم ومن روضته، هو من علمني يومًا أن العشق بخارٌ رديء إلى الدماغ وأنه مما لا يملك الرجل إذا صادف قلبًا متمكّنا ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ).
لا يجدي العشقُ في هذا المكان ولكنِ الدعاءُ، وقد سرنا أنا وبدرٌ نطوفُ، يسبقني مرّة وأسبقه أخرى، لا أنظرُ إلى وجهه ولا أقترب منه كثيرًا ولا يفعل هوَ، كأنما أراد كلّ واحدٍ منا أن يخفي دعاءه وتسبيحه عن الآخر أو ربما أردتُ ذلك وأراد هو التغاضي ( لا تنسنا من دعائك! ) ربّ اغفر لأمي ما عصيتها وعققتها، ربّ اشرح صدر أمي ما عصيتها وعققتها، ربّ ألهم أمي الصبر ما عصيتها وعققتها، ربّ أوسعني آن أشكر نعمتك وأبي ( لا تنسنا من دعائك! ).. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة.. ربّ حققْ أمنيةَ صديقتي العسيرية التي لا أعرفها، عاجلاً غير آجل، رب واشفها من سقمها ومن همها ( لا تنسنا من دعائك! ).. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة.. كنا نتمتم إذا تقاربت أجسادنا وأنفاسنا، فلا يفقهَ أحدُنا حديث الآخرِ ويرن بأذني حديث ابنِ القيم.. لا يكلف اللهُ نفسًا إلا وسعها.. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة.. وطفنا بالكعبة وأنا أدعو لعبير بأن لا يخيب ظنها أبدًا، ولصاحبة القُدّاس بنشيدٍ خيرٍ منه وأبقى، ولحبيبتي بالخيرة من أمرنا! أجل.. هل ألتقيها غدا؟ في الغرفةِ البيضاء؟ أليس عظيمًا أن أتبع عمرتي لقاءً حميميًّا؟! لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.. ربّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذاب النار.