أرشيف تصنيف ‘نَثريّة‘

عن الجميل

7 أغسطس 2010

قمت مع صديقي فارس البقمي بإقامة ندوة تعريفية عن الإسلام بعنوان “مبادئ الإسلام” في جامعتنا بولاية أريزونا، وقد قُدمت الدعوة لجميع طلاب الجامعة ومنسوبيها والخريجين الساكنين في المنطقة.

لم نكن في موضع دعويّ، بل كنا نريد من وقوفنا ذلك أن نصلح بعض المعتقدات التي يعتقدها الأمريكيون والهنود والأوروبيون والإفريقيون والآسيويون وغيرهم من غير المسلمين، أن نصلح تلك الآراء والأفكار التي سببتها بعض الجماعات المسلحة وروجت لها وسائل الإعلام الغربية فأساءت إلى الدين وشوهته، وتسببت في حروب ذهب ضحيتها المسلمون وقضاياهم قبل غيرهم.

ولدى اجتماعنا في بادئ الأمر حذرنا أنفسنا: الله الله أن يؤتى الإسلام من ثغرة أيٍّ منا! ودفعنا ذلك إلى البحث عن ما يعتقد أولئك عن الإسلام من أجل مهاجمة تلك المعتقدات الخاطئة مهاجمة علمية مؤصًلة. وجدنا أن الأغلبية يظنون أننا نرفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منزلة عيسى عليه السلام عند المسيحيين، وأن إلهنا هو كآلهة الدمار في الديانات الوثنية الشرقية، ومنه استقينا فكر التصادم الذي نؤمن – بحسبهم – ألا سبيل لنا سواه، وأن دين الإسلام هو الدين الوحيد الذي أمر بالحدود وفصّل في الشرائع ووضع الضوابط.

هنا كان لا بد من أن نخبر الآخر أننا لا نعبد محمدًا ولكننا نحبه، أننا نعبد الله إله اليهود والمسيحيين من قبل، ونؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ومبشرًا ونذيرًا للعالمين، ونوقن أن بعد الموت حسابٌ..

وقد كان الجزء الأول من محاضرتنا هو أكثرها صعوبة علينا، مما دفع كل واحدٍ منا إلى البحث جليًّا في أسماء الله وصفاته، فكان لزامًا علينا أن نتذكر وأن نخبرهم أن الله جميل يحب الجمال، ونحن نحذر أنفسنا دائمًا: الله الله لا يؤتى الإسلام من ثغرة أي منا.

وهنا نفتح الصفحة الأولى من المصحف الشريف، لنقرأ اسمًا لله يتكرر – مرتين – فيها، مرتين في بداية كل ركعة، مرة في البسملة، ومرة في الفاتحة: ((الرحمن الرحيم)). أوليسَ لله كمال الرحمة؟

يقول سيد قطب في الظلال:

((الرحمن الرحيم)) .. هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة، في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة؛ ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه. وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء. إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية.
إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة أولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق. ولا يدبر المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في (( العهد القديم )) كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحدي عشر من سفر التكوين.

من المؤسف أن نجد بعض الإخوة الدعاة والوعاظ لا يعرفون شيئا عن الله سوى عقابه للذين كفروا به، نسوا أو تناسوا أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن رحمة الله غلبت غضبه، وأن رحمة الله عامة، فهو الرحمن الرحيم الغفور الغفار العفو. وهذا هو كمال الحسن وكمال الجمال الذي لا يُعرف في الخلق، ولكننا عرفناه عن خالق الخلق، سبحانه.

مشتاق إليها

2 أبريل 2010

“اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت.”

لا أدري كيف أخذني التفكير إلى هذا، كنتُ أصارع الأرق فيصرعني كثيرا، وكنتُ أجاهدُ نفسي فتغلبني وأغلبها، أحاولُ أن أملأ عقلي بذكر الله وبالتفكير بالخير، فيذكرني عقلي بما عملتُ من السوء ويخوفني الله، ولكنني أقول له: إنه عفوٌّ يحبّ العفو، وأتوجّه إليه قائلا: اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعف عني.

ويغالبني الأرقُ ولكنني أغلبه، لا أغلبه بالنوم ولكن بالتفكير بالأمور التي لا تجلب لي الكآبة، فأراني حاكمًا على مدينة وقد جمعتُ بها من أردتُ من الأحبة، نزرعُ الأرض، ونحصد الثمر، ونتغنّى بالقرآن، يعاضد بعضُنا بعضًا، وكلما خفنا شيئا، ذكرنا الله وحده وأحسنا الظنّ، وهو وحده خير الحافظين.

ويغالبني الأرقُ ولكنني أغلبه، فأختار أحبّ الرياضات إلي، كرة القدم، وألعب في المكان الذي أحبهُ، حارس مرمى، أقفز يمينًا وشمالاً، فلا تدخل كرةٌ مرماي أبدًا في هذا التفكير. ولكنني أشعر أن شيئا ما ناقصًا، وأخشى أن يكون هذا هو أكبر همي، وقد استمعت قبل قليل لدعاء علي جابر رحمه الله، يصدح من عام 1406 قائلا: ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا! فأخاف أن قد أوغلتُ وتشبثتُ بما لا يستحق التشبث به..

ويغالبني الأرقُ ولكنني أغلبه بحسن الظنّ بالله، وأتذكر حديث الأنصاري الذي اشتهى الزراعة في الجنة، ثمّ أراني في الجنة، أراني دخلتها برحمة الله، وهناك، ألعب الكرة كأن لم ألعبها في الدنيا، أجد فيها الدعيع، فأتحداه في الجنة، كلنا يقول أنا أفضل منك، ولكنّ أحدَنا لا يحسدُ الآخر، فنلعب معًا، يقف حارسا وأركل الكرة بقدمي اليمنى كما لم يركلها رَجَلٌ في الدنيا، فيتصدى لها كما لم يتصدى حارس مرمى في الدنيا، فأجد له في نفسي إعجابا وحبا، وألحقه بتصفيق يكاد يسمعُه أهل الجنة كلهم، ثم أقف حارسًا فيركلُ الكرة كما لم أستطع أن أركلها قبله، ولكنني أتصدى لها كما لم يستطع أن يتصدى لها… فيعجب لحراستي ويصفق لي، وقد ملأ الله قلوبنا توادًّا لبعضنا. وتمضى ساعاتنا لعبا ولهوًا، كل ساعةٍ هي خير من سابقتها وأحلى…

ثم أمضي في الجنة، فأمرّ بالشعراء جلوسًا في مجالس الشِعر والأدب، في مجالسَ كالتي وصفها أبو العلاء في رسالة الغفران، فأقرأ عليهم شِعرًا لم أقله يومًا في الدنيا، ولو قلتُه في الدنيا لعلوتُ على أبي الطيب، ولنسي الناس شعر لبيد وزهير… وأرى شعراء الخير هنا في الجنة، وأقرأ لهم من شِعري، فأذكرُ الله، وأعظمه فيه، فيكون أجمل ما قيلَ في الشعر أبدًا، ويقول الشعراءُ في تلك المجالس مثله، فلا يشعرُ أحدٌ أن شِعرَ الآخرِ خيرٌ من شِعرِه ولكننا نتغنّى بأشعارنا وبحبنا لله وحده.

ثم أسير في الجنة، فأجدُ إخوة لي، فرقت الحوادث والكلمات بين قلوبنا، وسادت بيننا قطيعة القلوب، يتربصون بي الدوائر ويتتعبون عوراتي، وأفعلُ مثلهم؛ تخاصمنا في الدنيا، ولكننا عندما نلتقي في الجنة، نلتقي وقد نزع الله ما قلوبنا من غلّ، إخوان على سرر متقابلين، نتذكر ما جرى بيننا في الدنيا، فنضحك من حماقاتنا حينها، ولا نحزن أبدا، بل نفرح بما أسبغ الله علينا في هذه الدار، وجه كل واحد منا ناضر، يبعث السرور في قلب الناظر إليه… نقول يومئذ: ربنا لك الحمد أن جعلتنا في دارنا هذه، وأن أزلت الضغينة والبغضاء من قلوبنا.

ثم أسير في الجنة، حتى أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبّل جبينه وخديه، وأقبّل يديه، وأقبّل قدميه… وأبكي بين يديه من الفرح، هذا خير عباد الله كلهم، هذا الذي دلني على هذه، هذا الذي أحببته في الدنيا أكثر من نفسي وقد ازددت حبا له في الجنة… يا لبياض وجهه، هو أجمل الوجوه قاطبة، وكفه يضعها على رأسي، فكأنني حزتُ الجنة بما فيها… صلى الله عليك وسلم يا حبيبي…

ثم أحاول أن أتخيلني، أجد لذة الجنة كلها بالنظر إلى وجه الله الكريم، فتدمع عيني مرة من الفرح ومرة من الخوف أن تمنعني ذنوبي… ولكنني أغلب هذه الهواجس بحسن الظن بالله… وأدعوه: اللهم ارزقني لذة النظر إلى وجهك الكريم!

أحسن الظنّ به، وأقولُ لن أدخل الجنة بعملي، ولكنني أرجو برحمته أن أدخلها، برحمته ألعب الكرة فيها، وبرحمته ألتقي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقبّله، وبرحمته أنظرُ إلى وجهه الكريم.

…..

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، أسأل الله أن يدخلني وإياكم الجنة برحمته، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم

العودة

14 مارس 2010

هي جاثية ولكنها لم تكنْ خائفة، وهو مضطجع على جنبه، تقف على رجليها، وهو يجلس على الكرسي، يمشي من الغرفة إلى المطبخ متوتّرًا، وهي تتبعه أينما ذهب، ليست المرّة الأولى في إثره، إنما هي وراءه منذ أمدٍ، قبل أن يختلفا.. هو يأخذُ الجدال بجديّة، وهي تتربص بما يقول بحثًا عن الثغراتِ، هذه ثغرة في حديثه، وهذه ثغرة في قلبه، هذا شخص مختلف!

كنتُ أتابع حوارهما صامتًا منصتًا تارة وغافلاً أخرى، عجبتُ من هذا التشنّج والتصادم، ولم أعجب. هو من أبو ديس وهي من براغ، أبوه قلقٌ عليه في هذه الغربة، ولكنه رجل شهم – أحيانًا – قويّ أمين – أحيانًا – هي لم تسأله يومًا عن أبيه، والحديث عن أبيه ذو شجون، ولو ذكر جدّه لربما بكيت من الحنين إلى الشخص الذي لم تعرفه. هو غضوب، يلقي بالكلمة التي تمر بالخلد على الحوار، ولربما جرحها في حديثه ولم يكترث لماذا؟ ألها قلبٌ يجُرح؟ هي تكاد تستخفّ بكل ما يقول.. هو يريد الانتصار في هذا الحوار، وهي كذلك. هو رجل، وهي امرأة، بل كانت شيطانًا.

لا تظنّه كان غافلاً عنها، بل له شيطانيته الخاصة، وله انتماؤه، يريد أن يعود إلى أبو ديس، إلى مزرعة جدّه، يريد أن يركب الخيل كما ركبه جده، أن يحمل البندقية على ظهره كما فعل جده، أن يقطع الطريق على الخيل إلى البلدة القديمة، أن يعود متعبًا فيرى شجرة البرتقال المطلة على الطريق من مزرعته، فيهوي إلىها ويجلس تحت برد ظلها، هناك لا تضرب عينه الشمس، إنما يشعر ببرد الهواء، ويشم رائحة البرقال.. الديسي مشتاق لأبو ديس التي لم يرها إلى في حكايات جده وأبيه.

أمّا هي، فمتعجبة من حديثه ومن ولائه الذي ورثه ولم يجرّبه، لمَ يريد العودة إلى حيث لم يكن؟! هي لا تفكر في العودة يومًا إلى براغ، ولا تكترث لتاريخها. هي ولدت في فيلاديلفيا، بيضاء وتحبّ السمرَ، تشجع فريق الفيليز، وتكره اليانكيز، تقول له: أكرهُ اليانكيز كما تكره أنت الإسرائيليين! يكرهُ الإسرائيليين؟ هو لا يستحي أن يظهر كراهيته لهم، ولا يخجل من أن يقول أريدهم أن يخرجوا من الأرض، لأعود إليها، وهي لا تريد العودة إلى براغ، تركها أبوها وهاجر مع أمها إلى بلاد الأحلام، هي تذكر معالم وجه أبيها، ولا تريد أن تذكر الباقي منه، تقول له: أنت في بلاد الأحلام اليوم، لماذا تريد العودة إلى الأساطير؟!

هو غاضب من غبائها، وهي لم تحبب انتمائه، تقولُ له: “أين عقليتك الكونيّة؟ هل يأمرك دينك بأن تخرج الإسرائيليين لتعود إلى تلك القرية الصغيرة؟” يقول: “يأمرني دمي، يأمرني ضميري، يأمرني تراب تلك القرية وشجرة البرتقال المطلة على الطريق، حصان جدي، بيته الذي أخذ منه عنوة، كلها تريدني لأن الأرض والأشياء تشتاق دائما كما تشتاقين أحيانا ساعة العوز، هل قرأت الليكزس وشجرة الزيتون؟”
- لم أقرأها ولكنني سمعت عنها.
- أنا شجرة الزيتون، وستظلين، أنت، سيارة الليكزس.
- أنا سيارة الليكزس “اللعينة”!

هل قرأتَ شتمًا في قصيدة حبٍّ؟ أنا قرأتها، قرأتها عندما كتبت قصيدتها عنه، قالت: أريد أن أكون شجرة زيتون، ولكنني ما زلت سيارة الليكزس “المستهلكة”، سيارة اليكزس “اللعينة”. كيف أحببتهُ رغم ضيق مداه وقصر آفاقه!

كتبتها له، وقرأتها لي! ربّما أحبته حقًّا، وربّما أُعجبت بي، لن أتعجب كثيرًا، ولن يبدي استغرابًا، كلانا يعلم أنها غريبة الأطوار، غريبةً ولو نامت بين ساعديه الليلة. غريبةٌ ولذا يهرب منها؛ يريد العودة… فقد كان رجلاً وله جذورٌ تمتدّ في تراب أبو ديس، وهي امرأة له كانت من براغ، أو من فيلاديلفيا.

موسمٌ ككلِّ المواسم

29 يناير 2010

“هذا موسمٌ يحلو فيه الشرودُ، والشرود رجلٌ لكل المواسم”

هُنا في هذه الطريق الممهدة للمشي، بينَ أوجه المقبلين والمدبرين، بين مرضى السكرِ والسمنة والحبِّ والخديعة، يطلُّ بوجهه، يمشي حثيثًا ومعه صاحبُه، بل يمشي مع صاحبه، وصاحبه يقول: “ساعة ونصل إلى نقطة البداية” فتساءل: “ماذا يكونُ بعدَها؟” لم يبدِ ما جال بخاطرِه.

كان الهواء باردًا عليلاً يلامسُ القلب قبل الأديم، القمرُ استقرَّ بدرًا في السماء، والأقمار تسير عن يمينٍ وشمال، باتجاه الريح وعكسِه، يعرف قِبلةَ الريح من وريقاتِ الشجرِ المتطايرةِ ومن العباءات. صاحبهُ يتربّص بهذهِ الأقمار، أما هوَ فقد اختارَ دورَ النملةِ في الوعاء، لمْ يخُض حروبًا بالنيابةِ يومًا، ولم يخُض صاحبُه إلا حروبَه.

يمانانِ أحيانًا شآمانِ تارةً، يسيرانِ وأحذيتُهما الرياضيّة تهوّنُ من انخفاضِ الأرض وعلوِّها. عيناهُ تزغللان فكأنّ القمر انصهرَ في السماء واختلطت أنوارُ الشوارعِ ببريقِ النجيماتِ، ما زال سمعُهُ مشوّشًا، وقد أمسى الهواءُ يصبّ في أذنه قولَها: “أحبُّ الترابَ الذي تطؤهُ قدماكَ”، إذًا هي تحبُّ الغبار المنتشرَ على سطحِ هذه الطريق.

لو سألتَهُ لِمَ تمشي في هذا الشارع لقالَ: “أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيت” أو لصمتَ، في هذه الليلة التي تشبه مثيلاتِها لا يحبُّ الكلام، رأى ابنَ عمِّه فنآى بجانبه، لا يحبُّ العناقَ، رآى أباهُ وسلّم عليه على عجالةٍ، قبّل رأسَه واقفًا ومضى، رأى حبيبتَه فتكلمَتْ وأنصتَ.

يمشي هُنا، لأنه مصابٌ بالتخمة، أتخمَه الطعامُ وأتخمه القَدَر، لم يُبلّغْه زمنُه ما أراد، ولم يبلُغْهُ بيدِه، ولم يبلغهُ غلابًا.. لا يريدُ الكثيرَ وصاحبُه يقول: “ساعة واحدة.”

لو وضعتَ الأمرَ في يدِه لما رضِيَ بأن يمشي مع صاحبِه خلف البنات الثلاثةِ، يقولُ صاحبُه: “الكبيرةُ لي والصغيرة لك” وهو يكتم سؤالاً في صدرِه: “لِمن الثالثة؟ أنتركها ليتخمها القَدَر؟”

صاحبُه يخطط لغزواته بجواله، يحشدُ لها البصرَ والقلبَ وشِعر النبط، يريدُ أن يبني مستعمراتٍ كثيرةً، واحدةٌ لا تكفي أبدًا! واحدةٌ للحبّ، وأخرى للنزوة، وثالثةٌ للبكاء، ورابعةٌ للضحك. يقولُ صاحبُه: “تناسبك الصغيرة” فيقولُ: “في المرّة القادمة إن شاء الله” لقد اختار دورَ النملة في الوعاء.

لا يخوضُ صاحبُه حروبه علانية، كان شاعر النبط يحضّر في نفسه قصائدَ جديدةً للأنثى القادمة، لم يكن ساذجًا ليغازل النساء بالقصائد، تكفيه قامته الطويلة ونظراته الرصينة التي يكتنفها الغموض والفجور وملابسه الرياضيّة الأنيقة، يمشي كأنما بُسطت له الأرضُ وكأنّ النساءَ خُلقنَ لأجلِه. حديثُه ذو شجون ولو كان قارئًا قصيدته لامرأة لقرأها في الهزيع الأخير من الليل، ساعةَ تخضلّ القلوب وتغرورق المقل. يفخرُ بنفسه دونَ أن يصرّح، ومَن غيرُه يكتب الشعر على البحر الهلاليّ؟ يسأله: “أتكتبُ الشعرَ على البحر الهلالي؟” يقول: “لا” يسأله: “تعرف البحر الهلالي؟” يقول: “لا.”

هذا رجلٌ لا يميّز بين القافية والسجع، لم يكتب الشعرَ يومًا كصاحبه، لا يقرؤه ولا يحفظ منه إلا قصيدة أمريكية مترجمةً، ولو لمْ تقرأها له حبيبته لما حفظها. مرة في المدرسة حاولَ أن يكتب الشعرَ، فضحك منه أقرانُه ومعلّمُه، وفكر مرة أن يكون رسامًا كبيكاسو الذي لا يعرف عنه إلا اسمه، فقال له أستاذ الفنية: “عندك مستقبل” فعلمَ من تعابير وجهه المزيفة أنما أراد رفع معنويّاته، وحاول يومًا أن يجمع الطوابع هوايةً، فلم يجدْ إلا طوابع عليها صورة سوهارتو وجزيرة سومطرة، وقرّر يومًا جمع العملاتِ، ولكن لم يقع في يديه إلا الريال السعوديّ. عَلِمَ وهو غضّ البنان أنما هو مجيدٌ للإنصات فقط ولا شيء غيره. فكيف أحبته تلك المرأة إذ أحبته؟

بودّه لو كانت تمشي حبيبته معه بدلاً من صاحبه، ولا أسوأ من أن يدخل ثالثٌ لا يعرفهُ عليهم في سيرِهم. رجلٌ يشجع الهلال ويلبس قميص النصر، عمره أربعةٌ وعشرون ويلعب الكرة في أشبال النادي، وفيٌّ لحبيبته ولكنّه يتغزّل بكل امرأة تمرُّ بهم، يعطيهم من حديث الحكمة كالثعالب: “أجمل مرحلة في حياة المرء بعد إنجاب الطفل الأول، ويا حبّذا الذَكَر. أنت متزوج؟” يجيب: “لا” يسأله: “تفكر بالزواج؟” يجيب: “لا” فأحسّ بثقلِ صحبتهما وتركهما متسائلاً: “كيف يرضى صاحبه بالمشي معه؟”

وهو بعيدٌ بقلبه، بوده لو كانت تمشي حبيبته معه، هذه الطريقُ تنخفضُ وتسهلُ حين تطأها المرأة، هذه الأرض تخضرُّ وتعشبُ حين تمرّ بها المرأة، هذه السماءُ تمطرُ ودقًا حين تسيرُ تحتَ سِماكِها المرأة.

“هل أحضرتَ قارورةَ الماء؟” أجاب: “لا” قال: “هل تشعر بالعطش؟” قال: “عطش لا يُميت” والناسُ لا تعطش كثيرًا في هذه الطريق، وهو وإن عطش، تعلّم ألا يجزع وألا يشكو. تقول أمّه: “كن قنوعًا”، وأبوه فخورٌ به.

لا يجزع، ولا يكثر من الفرح، والمفاجآت ليست منه ببعيدة، فقدْ قرر أن يتوقف للمقابلة التلفزيونية، وابتسم للمذيعة، وافق على أن يتكلم إليها، بل سعى إلى المايكروفون، فسألته سؤالاً ساذجًا: “هل تقبل الزواج من امرأة أكبر منك سنًّا؟” قال: “لن يكون سنُّها عقبةً” هنا تبتسمُ المذيعةُ وتقول: “شكرًا” يقول: “هل تسمحين لي بأن أقرأ قصيدة لبيلي كولينز؟” تبتسم مرّةً أخرى وتقول: “في المرّة القادمة إن شاء الله”

إن شاء الله، إن شاء الله. أكمل المشي مع صاحبه، وفي باله القصيدة:

[ أنا نملة في وعاءٍ أزرق
على طاولةِ الأمير القاسي

حيثُ تُناقَشُ خطط الحروبِ
ونبيذ الأرزّ يسكب بكثرةٍ

ولكن حتى لحظةَ غضبه
حين يضربُ الطاولةَ بالسكينِ

أكملُ الدورانَ في الوعاء
ذي المقابضِ البرتقالية والعنب الأخضر ]

هذه نملةٌ أبديّةٌ. سوف تدور نملة واحدةٌ في الوعاء، وسوف تقتاتُ مئة نملةٍ على السكرِ في وعاءٍ آخرَ، وسوف تأكلُ مليونُ نملةٍ أجسادًا تخطط لبناء المستعمراتِ في أقاصي الأرض وأدانيها، وفي قلوب النساء.

قال لهُ صاحبه: “سوف نصل إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة” فسكت وأحشاؤه تضحك. سوف يصلون إلى نقطة البداية خلال نصف ساعة، والنملة ستدورُ وتدور وتدور.

فلانة الفلاني ..

1 يناير 2010

جلوسي هنا ليس من أجل انتظار أحدٍ، أنا لمْ أنتظركَ ولم أنتظرْ أحدًا! لا أنتظرُ فارسَ أحلامي ولا منقذًا، في هذا الكرسيّ من الصالةِ، لا أنتظرُ إلا برنامجًا تلفزيونيًّا، لأهرُب من الصروفِ التي تثقل كاهل القويِّ ذي البأس والمرأةِ الصبور.

أنتظرُ، أنتظرُ، والمكانُ مشوّشٌ، لا يأتي البرنامجُ! يتغيرُ المكان فجأةً.. يختفي التلفاز أصلاً! دهرٌ مختلفٌ، ولا أحسّ بمضيّ المرحلة الانتقاليّة، أنا فقط، أنا جالسةٌ وحدي في قاعة الدرس.

أوراقي أمامي، أكتبُ وأحضّرُ، لأيّ شيءٍ، لِلاشيءٍ، لا أعلمُ ولا أبذل جَهْدي لأعلمَ ما أنا أكتب، لكنّ الغريبَ في رأيي كيفَ تفتح تلك المرأة الباب! كيف تمشي بخفّة، إلى الكرسي الذي يقعُ بجانبي، كيف تسحبهُ وتجلس عليه!

هذه قاعتي، قاعة درسي أنا، أنا من صنعتُها.. لا يحقّ للغرباء أن يجلسوا بها، إلا بعد إذني!

- لماذا جلستِ هنا؟! من تكونين؟
- أنسيتِني؟ أنا فلانة الفلانة..

اسمها غامضٌ، ألقيهِ على كل امرأة تمرّ بي، كل امرأةٍ لا أعرفها، لكنني أعرفها! أعرفها جيّدًا، شريط الذاكرة سار سريعًا إلى الخلف، أخرجها وأظهرَها، أعادها إلى الذاكرةِ بسرعة البرق: (فلانة الفلاني، بنتُ العائلة الغنيّة، ذاتِ الجاهِ والمال والشرف، كنا نركب السيارة معًا، يومًا ما من الماضي الغريب ركبناها، ركبنا سيارتها الفارهة، وملابسها، ما أجمل ملابسها، مضربَ الأناقة والفخامة) هي بجواري وملابسها رثة.. ملابسها رثة؟!

- ماذا جرى لكِ يا فلانة؟!
- لا شيء يذكر.. أزمة تذهب المال وتذهب العقل وترهق..
- ولم جئتِ هنا؟
- أطلب يدَ العون..
- منّي أنا؟
- الحاجة يا أختي
- ما مكنّي فيه ربّي خير.
- أريدُ وظيفةً وراتبًا ثابتًا..
- ما كنتُ صاحبَةَ شأنٍ وواسطة
- أريدُ مبلغًا كبيرًا، مبلغًا لا أطلبُ بعدَه أحدًا!

سكتْتُ لوهلةٍ، ثم قلتُ:
يا فلانةُ لا تسرفي الطلبِ، اطلبي هيّنًا، المرء يطلب المستطاع ليطاع، فاطلبي المستطاع، اطلبي المستطاع أُجبْ..

نظرَتْ إلى، وابتسمت، ولم تبقِني إلا لتضمّني إليها، ضمتني إلى صدرها طويلاً:
هنيئًا لي بصدقِك، هنيئًا لي بك، لم تماطلي كما فعلوا، ولم تساومي عمَلَهم، صدقتِ وكان خيرًا لي ولك..

هذا شيء، هذا موقفُ صدقٍ، أهذه أنا؟ شكرًا لهذه المرأة الغيبية، شي لهذه المرحلة. شيء ما غيّرَ وجهَ هذه المرحلة الانتقاليّة، لستُ في القاعةِ، ولا أنا في الصالة، في مرحلة انتقالية أنا! شكرًا لفلانة، شكرًا للصدق الذي أريده..

يمضي كلّ شيء، ولم يمضِ الكثيرُ، لا القاعة هنا ولا فلانة.. من هي فلانة؟ أنا؟ ومن أنا؟ أين الصدق من هذا؟ أين الصدق؟ أبتعدُ عن الغيبِ شيئًا فشيئًا، لا جديدَ في هذه الصالةِ، كلّ ما في الأمر أنني أنتظرُ البرنامجَ التلفزيونيّ، ولا أنتظرُ أحدًا!