جميل

31 يوليو 2010

قبض على كتفي رجلٌ مريبٌ وأنا جالس في غرفة الانتظار، وسألني: ماذا تقرأ؟ فنظرتُ إليه متعجبًا من مسكه لكتفي ونظرته إلي، ولكنني لم أجد حرجًا في الرد على سؤاله وقلتُ: كتابًا عن علم الجَمال! فقالَ: هناك أشياء أهم من هذا! سكتت، وأعدت النظر إلى وجهه، فعلمتُ أن به بأسًا، وأكد ذلك أن جاء مرافق له وأخذه بيده مبتسمًا في وجهي، فرددتها بابتسامة وعدتُ “متوترًا” إلى القراءة.

وما انشغالي بالجمال بدعة لم تُعرف من قبلُ على البسيطة، بل لقد أشغل هذا الموضوع العربَ منذُ الأيام الأولى، فوضعوا حدودًا صريحة في مصنفاتهم بين ألفاظ الجمال، فالجمال غير الحُسن غير الحلاوة غير الملح.

ومن كان الجمال نصب عينيه، رأى الدنيا حلوة خضرة، وإن كان لها غبشها واختلاف موازينها، في اللحظة الجميلة تبدو بيضاءَ من غير سوء، لها صوتٌ يطرب من به صممٌ، وكأنما جُعلتْ راحة وطمأنينة.

واللهُ جميلٌ يحب الجمال؛ هو المتوحد بالجلال بكمال الجمال، وأجملُ الكلام كلامه ((نحنُ نقصّ عليك أحسن القصص))، وأجمل الُخلق خلق القرآن، وأجمل السِيَر وأنجحها سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي نقل لنا كلامَ الله وتخلّق بالقرآن. قرآنًا حسنًا، ورسالةً سامية، نورًا يهدي للتي هي أقوم، والله نور السموات والأرض. وهناك جمال المخبر والمظهر، من العلم ما يزيّن العقل، ومن المنطق ما يحسن النظرة للأمور، ومن القرآن ما يطهر القلب ويقيم اللسان، ومن السلوك ما يرفع المرء في نفسه قبل الناس.

((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)) والحسنُ الجمال … لا تسمّ ابنكَ حرب، ولكن سمّه الحسن، ولا تسمه حرب، ولكن سمه الحسين … ومن الجمال الإسلامي الرفق؛ الرفق بالأبناء، والرفق بالناس، والرفق بالحيوان ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))، والرفق بالنفس ((إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)).

والجمال يكونُ في الصعب الثقيل على النفس، ((واهجرهم هجرًا جميلا)) بلا أذى، ((فاصفح الصفح الجميل)) بلا عتاب، ((فاصبر صبرًا جميلاً)) بلا شكوى.

وقد اشتغل الفلاسفة أيضًا بالجمال، وجعلوه علمًا، واختلفوا في أسمائه، فهو تارة علم الجمال، وتارة علم الآداب الجميلة، وتارة نظرية الفنون، وتارة فلسفة الفن، وقد عرفه هيجل فقال: “أن يوقظ فينا إحساسات ممتعة عن طريق خلق أشكال لها ظاهر الحياة.”

والجمال بشتى صوره يجلب الناس إليه، فإذا سمع المشركون سورة النجم، سجدوا لعظمة ما سمعوا من الهدي، وجماله، وفي الشعرِ إذا وقفَ كعب بن زهير، وقال: بانت سعادُ! … وأتم قصيدته، أخذ جمالها الحبيب صلى الله عليه وسلم، فألقى بردته على الشاعر، وإذا أطربه حسنُ قول الشاعرة، قال: إيه خناسُ!

وإذا أعجب الشعراء جمال امرأة، تسابقوا ليصفوها، وفاز بها – بعد موته – القائل: إن تتهمي فتهامة وطني، أو تنجدي يكن الهوى نجدُ!

وإن للجمال والحسن معي قصصًا تروى، وسأعود بها قريبًا إن شاء الله

حتى لا تكون كَلاًّ …

31 يوليو 2010

أمدُّ له سلّمًا … إلى النورِ من أضلعي
وأشدو لميلادهِ … ويصغي بلا مسمعِ
فأبكيه في مقطعٍ … وألقاهُ في مقطعِ
عبد الله البردوني

خرجتُ من غرفتي، وسألتُ نفسي سؤالاً طفوليًا: ((هل تتحرك الأشياء لدى مغادرتي الغرفة؟ كيف يكون للغرفة التي أغادرها وجود وأنا خارجها؟ هل كل شيء موجود حقيقي؟ هل أنا الآن في حلم؟ هل يشعر كل شخص بنفسه كما أشعر أنا؟ هل أنا أشعر بنفسي؟ أنا أشعر بالألم .. وأخاف من الإصابات لأنني أشعر الألم .. أخاف من الآلام البسيطة في الدنيا … كيف يكون ألم عذاب الآخرة؟ يجب أن أبتعد عن المعاصي لأنال رضى الله .. كيف أستطيع أن أبتعد عن المعاصي يجب أن أتوكل على الله في إصراري .. أخشى أن أقع في التواكل .. يجب أن أطلب مساعدة ذوي الاختصاص .. من أستطيع أن أثق فيه في هذا الموضوع؟! ))

أجزم بأن أغلب من يقرأ هذا الموضوع طرح على نفسه سؤال: كيف وصلت إلى التفكير بهذه النقطة؟
(وأغلب الظن أن هذا التفكير كان كثيرًا ومتكررًا في الفترة التي تكون في أول أيام المراهقة)

ولعل القارئ حاول تتبع أفكاره، ليصل إلى الفكرة الأولى، ولكن أتعبه الامتداد أو شعر بعدم منطقية الفكرة التي وصل إليها …

كأن يقول: دخل علي أبي وطلب مني أن أفعل ذلك …

والسؤال الذي أطرحه:

متأكد أن الكثير ممن يقرأ هذا الموضوع طرح على الشخص المقابل له في الحوار السؤال التالي:
ما الذي قادنا لهذه النقطة؟

وتعيدون المشي إلى الوراء في المواضيع التي نوقشت، حتى تصلوا أو لا تصلوا!

ولكن …..
هل جربتَ يومًا أن تسأل: ما هو مصدر أفكاري؟ هل هذه أفكاري أم أفكار الكاتب الفلاني أم أفكار الشيخ الفلاني أم أفكار التلفزيون … أم أفكار معلمي أم أفكار أبي؟

هل تذكرُ نقاشًا (أو جدالاً) حاول أحدهم يومًا إسكاتك فيه بأن قال: أبي يقول “…..” – ولكي نجعل المثال عامًّا، ضع مكان أبي: أمي، جدي، عمي، أستاذي، شيخي، إلخ…

وهنا أرجو أن تقفوا معي وتحاولوا أن تقفوا معي خارج هذا النقاش ولنحاول أن ننظر إلى الميكانيكا خلف هذه الجملة، دعونا نستمع إلى أصوات التروس في هذا العقل، ولنحاول أن نلمس قوة السلاسل التي تربط بينها…
أتعلمون ماذا أجد؟
ميكانيكا تعمل بـ: الفكرة يجب أن يوافقها رأيٌ سابقٌ لمن هو أعلم مني بها … لتصبح حقيقة …
وهذا الشخص يكون ذا لسانٍ لا يخطئ، ورأي سديد دائمًا
من هو؟
أبي، جدي، معلمي، أمي، شيخي، إلخ!

ومحرك هذه الميكانيكا … والمحفز لها … والأداة الرئيسية اسمها: التبعية!

التبعية العقلية والاعتماد العقلي، هو أن ترمي بثقل التفكير عنك على شخص آخر … بدلاً من أن أفكر بطريقة ناقدة … أعطي لفلان هذا الجهد … وأخلص نفسي وعقلي من مهمة التفكير … وهنا ينشأ ما نعرفُه باسم: التطرف الفكري … الذي يقوم على منع العقل من التفكير وإلزامه بالتقليد .

هل جربتم أن تمسكوا صفحة الرأي بجريدة من الجرائد؟
اقرؤوا المقالات التي تطرح حلولاً لقضايا المجتمع المختلفة، وابحثوا بين ثناياها … ستجدون أن غالبية كتابها (وهم من جميع الفئات الفكرية أكانت دينية أو لا دينية) يطرحون آراء غيرهم ويدعون أنها الأمثل لحل مشاكل المجتمع …
وستجد تلميحًا وترميزًا إلى تخلف من لا يأخذُ بهذا الرأي … إلى ماذا تحوّل هؤلاء؟

أحسن الكلمات: مقلدين … أصبحوا مقلدين، يقلدون ما يقول فلان، دون العمل على تطوير الفكرة، كل ما يجري يقوم على وضع نفس الفكرة بصيغة مناسبة للحال المختلفة عن حال الفكرة الأصلية… ومثل هؤلاء لا يجيبك إلى أن يرد رأيك برأي يعجبه ..

والجدالات التي تدور مع مثلهم، تكون تصادمية ولا تكون بناءة، يحاول فيها كل طرف الاستشهاد بأكبر قدر ممكن من الآراء لنقد الرأي الآخر، دون اعتبار لاختلاف الأحوال التي تكونت فيها الأفكار الأصلية …

والجدالات العقيمة التصادمية تكون بأن يحاول كل طرف إثبات صحة ما يرى، ولو علم في قرارة نفسه خطأه، لأن الاقتناع برأي آخر يعني التنازل والهزيمة … والحوار البناء يكون بأن يحاول جميع الأطراف الوصول إلى أرضية مشتركة، وإلى موقف وسطي مشترك يستفيد منه كل المتحاورين.

ولعلك هنا تتساءل متى يتحول الجدال إلى جدال عقيم؟

عندما تكون به أيٌّ من النقاط التالية:
رفض البديهيات
رفع الصوت
استخدام اللغة الساخرة
الاستخفاف بالطرف الآخر
تكرار نفس الكلام
التنقل السريع بين مواضيع مختلفة لا صلة بينها

ومثل هذه الجدالات، الهروب منها أفضل … لأنها تضيع الوقت وتشوه الصورة لكثير من المتزنين … ولا خوف من ترك مثل هذه الجدالات، فكما أن الحلال بيّن والحرام بيّن، فالحق بيّن والباطل بيّن، ومن يريد الفكرة بيّن ومن يريد غير ذلك بيّن …

وما الذي يدفع مثلنا لأن يجادل بعنف، ويعتبر أن الفكرة لا تأتي إلا بفكرةٍ سابقة؟ إنه الاعتماد والتواكل … فكما أن البعض يعتمد على غيره اعتمادًا كليًّا في إحضار لقمة العيش، فإن البعض يعتمد أيضًا على غيره في التفكير

هل تساءلتم يومًا لماذا لا يصدر أغلب مثقفينا الكثير من الكتب؟

لعل أحد أهم الأجوبة، هو الكسل الذي تولد عن انعدام العراك الثقافي “الحقيقي”، والاعتماد الكلي على ما أصدره المتقدمون وما أصدره الغرب…

يقول أحدهم في حواره: قال ابن القيّم … فيرد الآخر: قال رولان بارت … هل يحتاج أيهما لأن يكتب كتابًا؟

لا تكنْ كلاًّ، على غيرك حتى في التفكير، لا تعتمد على ما قاله فلان وعلان، وكن أهلاً لهذا العقل الذي أنعم الله به عليك، ومرنه على قراءة الأفكار والآراء والأقوال والكتابات قراءة نقدية ناضجةً لا تدخلها العواطف ولا تثقلها الاعتقادات المسبقة …

كالذي لا يحكم عقله، ويجعله كثير الاستخدام للانطباعات المسبقة، ويقول مثلاً: من يستحق الثقة في هذا الزمن؟

دعونا نتتبع كيف وصل هذا إلى هذه الفكرة؟

نبدأ المشي في أفكار العقل، مشيًا إلى الوراء، خطوةً خطوة!

من أستطيع أن أثق فيه في هذا الموضوع؟

يجب أن أطلب مساعدة ذوي الاختصاص

أخشى أن أقع في التواكل

يجب أن أتوكل على الله في إصراري

كيف أستطيع أن أبتعد عن المعاصي

يجب أن أبتعد عن المعاصي لأنال رضى الله

كيف يكون ألم عذاب الآخرة؟

أخاف من الآلام البسيطة في الدنيا …

وأخاف من الإصابات لأنني أشعر الألم ..

أنا أشعر بالألم

هل أنا أشعر بنفسي؟

هل يشعر كل شخص بنفسه كما أشعر أنا؟

هل أنا الآن في حلم؟

هل كل شيء موجود حقيقي؟

كيف يكون للغرفة التي أغادرها وجود وأنا خارجها؟

هل تتحرك الأشياء لدى مغادرتي الغرفة؟

لماذا خرجت أصلاً من الغرفة…؟!

كما تعودنا في مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة على تتبع تسلسل أفكارنا … بنفس الطريقة، فلنبحث عن الأفكار السلبية في عقولنا ولنحاول تتبع مصدرها، ونقرأها مرة أخرى بطريقة نقدية، تحملنا على قبول ما جاءت به أو رفضه.

(( العنوان من كتاب للدكتور عوض القرني – والكَل: الثقل ))

كلهم كذلك!

18 يوليو 2010

لدى قراءتي لكتاب “مقالات الغلو الديني واللاديني” للدكتور محمد عمارة، استحضرت حديثا للدكتور طارق الحبيب عن سيكيولوجية الإرهابي، الذي ينتقل بلمح البصر من مفحط إلى متزمت، وأنا أتذكر هنا البعض ممن انتقلوا من متزمتين في الدين إلى متزمتين في اللادين، والطريف هنا أنني تذكرت حديثًا للدكتور عبد الله الغذامي خلاصته أن كل واحد من هؤلاء، المتزمت الديني والمتزمت اللاديني، يدعي الوسطية!!

كان لا يلتزم زيا خاصًّا

8 يونيو 2010

قرأت هذه التفاصيل الجميلة لدى قراءتي لكتاب “سيد رجال التاريخ محمد صلى الله عليه وسلم” للشيخ على الطنطاوي، ووجدت أن أغلبنا لا يعرفها، وإن عرفها لم يركز فيها ليتخيل ما يرتدي الحبيب صلى الله عليه وسلم من الملابس، وما منهجه في ذلك:

وكان يلبس ما وجد، ولا يلتزم زيًّا خاصًا ولا نوعًا خاصًا ولا لونًا خاصًا، وقد لبس العمامة على القلنسوة، والقلنسوة بلا عمامة، والعمامة بلا قلنسوة، واتخذ القميص والإزار والرداء، ولبس البُرد، ولبس الجُبّة، لا كهذه الجبب الواسعة ذات الأكمام العريضة بل الجبة الضيقة الأكمام، ولم تكن عمامته كهذه العمائم الشامية أو المصرية أو التركية، بل كما يُعرَف من عمائم أهل الحجاز؛ قطعة من قماش تُلَفّ على الرأس لفًّا لا تصنّع فيه ولا تكلّف، فإن لم تكن إليها حاجة أُلقيت على العاتق. وكانوا يستعملونها لحاجاتهم في السلم، وربما ربطوا بها الأسير في الحرب، وكانوا ربما جعلوا لها ذؤابة أحيانًا. والعمائم ضرورة من ضرورات الطبيعة في الحجاز ذات الشمس المحرقة، فهم يقُون رؤوسهم من وقدة الشمس، ومن ذلك قيل: ((العمائم تيجان العرب)). ولم يكونوا يلتزمون فيها لونًا بعينه أو شكلاً بذاته. وكانت عمائم النبي صلى الله عليه وسلم تختلف ألوانًا، وكانت عمامته يوم الفتح سوداء.

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يحرّم زينة الله التي أخرج لعباده ولا الطيبات من الرزق، ولا يردّها، ولا يأباها إن وجدها، ولكنه لم يكن يحرص ويجعلها أكبر همه من الدنيا.

من مقالة بعنوان: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم

صلاح الدين الأيوبي / سلمان العودة

3 أبريل 2010

كل فتى منا مهموم بآلام الأمة يفكر أن يكون ” صلاح الدين ” ، ولا يفكر أن يكون هو الشافعي أو مالك أو أحمد أو ابن تيمية أو ابن حجر أو النووي أو ابن النفيس أو ابن الهيثم أو المبدع أو العالم المتخصص .. ألسنا نفكر بطريقة انتقائية ونتعامل مع الحياة على أنها معركة عسكرية الذي يفوز فيها يحصل على كل ما يريد ؟

سلمان بن فهد العودة من صفحته بالفيسبوك