عن الجميل

7 أغسطس 2010

قمت مع صديقي فارس البقمي بإقامة ندوة تعريفية عن الإسلام بعنوان “مبادئ الإسلام” في جامعتنا بولاية أريزونا، وقد قُدمت الدعوة لجميع طلاب الجامعة ومنسوبيها والخريجين الساكنين في المنطقة.

لم نكن في موضع دعويّ، بل كنا نريد من وقوفنا ذلك أن نصلح بعض المعتقدات التي يعتقدها الأمريكيون والهنود والأوروبيون والإفريقيون والآسيويون وغيرهم من غير المسلمين، أن نصلح تلك الآراء والأفكار التي سببتها بعض الجماعات المسلحة وروجت لها وسائل الإعلام الغربية فأساءت إلى الدين وشوهته، وتسببت في حروب ذهب ضحيتها المسلمون وقضاياهم قبل غيرهم.

ولدى اجتماعنا في بادئ الأمر حذرنا أنفسنا: الله الله أن يؤتى الإسلام من ثغرة أيٍّ منا! ودفعنا ذلك إلى البحث عن ما يعتقد أولئك عن الإسلام من أجل مهاجمة تلك المعتقدات الخاطئة مهاجمة علمية مؤصًلة. وجدنا أن الأغلبية يظنون أننا نرفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى منزلة عيسى عليه السلام عند المسيحيين، وأن إلهنا هو كآلهة الدمار في الديانات الوثنية الشرقية، ومنه استقينا فكر التصادم الذي نؤمن – بحسبهم – ألا سبيل لنا سواه، وأن دين الإسلام هو الدين الوحيد الذي أمر بالحدود وفصّل في الشرائع ووضع الضوابط.

هنا كان لا بد من أن نخبر الآخر أننا لا نعبد محمدًا ولكننا نحبه، أننا نعبد الله إله اليهود والمسيحيين من قبل، ونؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ومبشرًا ونذيرًا للعالمين، ونوقن أن بعد الموت حسابٌ..

وقد كان الجزء الأول من محاضرتنا هو أكثرها صعوبة علينا، مما دفع كل واحدٍ منا إلى البحث جليًّا في أسماء الله وصفاته، فكان لزامًا علينا أن نتذكر وأن نخبرهم أن الله جميل يحب الجمال، ونحن نحذر أنفسنا دائمًا: الله الله لا يؤتى الإسلام من ثغرة أي منا.

وهنا نفتح الصفحة الأولى من المصحف الشريف، لنقرأ اسمًا لله يتكرر – مرتين – فيها، مرتين في بداية كل ركعة، مرة في البسملة، ومرة في الفاتحة: ((الرحمن الرحيم)). أوليسَ لله كمال الرحمة؟

يقول سيد قطب في الظلال:

((الرحمن الرحيم)) .. هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة، في آية مستقلة، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة؛ ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه. وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء. إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية.
إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة أولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق. ولا يدبر المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في (( العهد القديم )) كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحدي عشر من سفر التكوين.

من المؤسف أن نجد بعض الإخوة الدعاة والوعاظ لا يعرفون شيئا عن الله سوى عقابه للذين كفروا به، نسوا أو تناسوا أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن رحمة الله غلبت غضبه، وأن رحمة الله عامة، فهو الرحمن الرحيم الغفور الغفار العفو. وهذا هو كمال الحسن وكمال الجمال الذي لا يُعرف في الخلق، ولكننا عرفناه عن خالق الخلق، سبحانه.

Review: تكوين العقل العربي

6 أغسطس 2010

تكوين العقل العربيتكوين العقل العربي by محمد عابد الجابري

My rating: 4 of 5 stars

هذا الكتاب يعيد بعض القضايا من اللاوعي (أو المعرفة اللاشعورية) إلى الوعي، ومن اللامُدرك إلى الإدراك
الهدف الرئيسي من الكتاب هو نقد العقل العربي (المستقيل) من خلال تكوينه من أجل أن يتحول إلى ما يسميه الكاتب العقل الفعال (غير السائد) ، وهل أصاب في كل ما طرحه في هذا الكتاب؟
من خلال تكوينه، فتنقسم المعارف إلى ثلاثٍ: البيان ومنها النقل كالفقه واللغة، والعرفان ويدخل في هذا علوم التصوف والتنجيم والهرمسية .. إلخ، والبرهان وهنا نقصد علوم العقل كالمنطق
وهنا يرى الكاتب مشكلة البيان في القيود التي وضعها اللغويون كالفراهيدي على اللغة والتي منعتها بحسب رأيه من التطور خارج حدود لغة الأعرابي، وكذلك في القيود التي وضعها الإمام الشافعي على الفقه من خلال كتابه الرسالة
ومشكلة العرفان تكمن في اللامعقول العقلي المنتقل من الموروث القديم إلى الدين الإسلامي، كالغنوص الباطني والمانوية والإسرائيليات – وهنا أستحضر أن تفسير ابن كثير يحوي الكثير من الإسلائيليات
أما قضية البرهان، فالمشكلة التي يراها الكاتب تكمن في محاولة ربطه بالبيان، كإثبات الدين بالفلسفة، وما رافق ذلك من عمليات تسييس كالتي حدثت مع الكندي، أو من خلال إدخال الفلسفة الهرمسية من خلال ابن سينا
وهنا يستحضر الكاتب منهجين رائدين كادا يكونان بداية نهضة فكرية عربية، تكمنان في المنهج الظاهري لابن حزم الذي رفض الباطن، ومنهج ابن رشد الفلسفي، لكن المشكلة بحسب الكاتب أن هذه النهضة كانت بداية للنهضة الأوروبية ولم تصمد في مواجهة اللامعقول في العقل العربي
ولعلي أطرح سؤالين في نقد الكتاب: بغض النظر عن مسألة الكلمات والمفردات الغير مستخدمة للغة العربية، ألم يكن عمل الفراهيدي سببًا لخلود اللغة إلى هذا الزمن؟ أضف إلى ذلك وجود التطورات على اللغة في السابق، فما الذي أدى توقف التطور كما يرى الكاتب؟
ومسألة أخرى في موضوعه عن الشافعي والذي ينتقد فيه أن أدى علم أصول الفقه إلى الالتزام بالنقل وإقالة العقل، فهنا أميل أكثر إلى قول هيغل: يحدث لنا أن يكشف كل علم خاص، متى ما اعتبرناه علمًا فلسفيا، عن روابطه بعلم سابق [...:] ، لا يسعنا فلسفيا أن نتعلل بتمثلات وأن نجعل نقطة انطلاقنا مبادئ لم تنجم عن إنشاء سابق
وأختم بأن أقول إن هذا الكتاب كان إضافة كبيرة إليّ وجعلني أفكر أكثر في كل مشروع فكري عربي، وأفحصه من الناحية الابيستمولوجية التي ينظّر لها الكاتب
وختامًا أتساءل: الكثير من القضايا المحرمة من قبل رجال الدين من القديم والحديث لا تبدو ظاهرة التحريم في النصوص القرآنية أو النبوية، فهل كان انتقل إلينا تحريمها من الموروث القديم؟

View all my reviews >>

جميل

31 يوليو 2010

قبض على كتفي رجلٌ مريبٌ وأنا جالس في غرفة الانتظار، وسألني: ماذا تقرأ؟ فنظرتُ إليه متعجبًا من مسكه لكتفي ونظرته إلي، ولكنني لم أجد حرجًا في الرد على سؤاله وقلتُ: كتابًا عن علم الجَمال! فقالَ: هناك أشياء أهم من هذا! سكتت، وأعدت النظر إلى وجهه، فعلمتُ أن به بأسًا، وأكد ذلك أن جاء مرافق له وأخذه بيده مبتسمًا في وجهي، فرددتها بابتسامة وعدتُ “متوترًا” إلى القراءة.

وما انشغالي بالجمال بدعة لم تُعرف من قبلُ على البسيطة، بل لقد أشغل هذا الموضوع العربَ منذُ الأيام الأولى، فوضعوا حدودًا صريحة في مصنفاتهم بين ألفاظ الجمال، فالجمال غير الحُسن غير الحلاوة غير الملح.

ومن كان الجمال نصب عينيه، رأى الدنيا حلوة خضرة، وإن كان لها غبشها واختلاف موازينها، في اللحظة الجميلة تبدو بيضاءَ من غير سوء، لها صوتٌ يطرب من به صممٌ، وكأنما جُعلتْ راحة وطمأنينة.

واللهُ جميلٌ يحب الجمال؛ هو المتوحد بالجلال بكمال الجمال، وأجملُ الكلام كلامه ((نحنُ نقصّ عليك أحسن القصص))، وأجمل الُخلق خلق القرآن، وأجمل السِيَر وأنجحها سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي نقل لنا كلامَ الله وتخلّق بالقرآن. قرآنًا حسنًا، ورسالةً سامية، نورًا يهدي للتي هي أقوم، والله نور السموات والأرض. وهناك جمال المخبر والمظهر، من العلم ما يزيّن العقل، ومن المنطق ما يحسن النظرة للأمور، ومن القرآن ما يطهر القلب ويقيم اللسان، ومن السلوك ما يرفع المرء في نفسه قبل الناس.

((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)) والحسنُ الجمال … لا تسمّ ابنكَ حرب، ولكن سمّه الحسن، ولا تسمه حرب، ولكن سمه الحسين … ومن الجمال الإسلامي الرفق؛ الرفق بالأبناء، والرفق بالناس، والرفق بالحيوان ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))، والرفق بالنفس ((إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه)).

والجمال يكونُ في الصعب الثقيل على النفس، ((واهجرهم هجرًا جميلا)) بلا أذى، ((فاصفح الصفح الجميل)) بلا عتاب، ((فاصبر صبرًا جميلاً)) بلا شكوى.

وقد اشتغل الفلاسفة أيضًا بالجمال، وجعلوه علمًا، واختلفوا في أسمائه، فهو تارة علم الجمال، وتارة علم الآداب الجميلة، وتارة نظرية الفنون، وتارة فلسفة الفن، وقد عرفه هيجل فقال: “أن يوقظ فينا إحساسات ممتعة عن طريق خلق أشكال لها ظاهر الحياة.”

والجمال بشتى صوره يجلب الناس إليه، فإذا سمع المشركون سورة النجم، سجدوا لعظمة ما سمعوا من الهدي، وجماله، وفي الشعرِ إذا وقفَ كعب بن زهير، وقال: بانت سعادُ! … وأتم قصيدته، أخذ جمالها الحبيب صلى الله عليه وسلم، فألقى بردته على الشاعر، وإذا أطربه حسنُ قول الشاعرة، قال: إيه خناسُ!

وإذا أعجب الشعراء جمال امرأة، تسابقوا ليصفوها، وفاز بها – بعد موته – القائل: إن تتهمي فتهامة وطني، أو تنجدي يكن الهوى نجدُ!

وإن للجمال والحسن معي قصصًا تروى، وسأعود بها قريبًا إن شاء الله

حتى لا تكون كَلاًّ …

31 يوليو 2010

أمدُّ له سلّمًا … إلى النورِ من أضلعي
وأشدو لميلادهِ … ويصغي بلا مسمعِ
فأبكيه في مقطعٍ … وألقاهُ في مقطعِ
عبد الله البردوني

خرجتُ من غرفتي، وسألتُ نفسي سؤالاً طفوليًا: ((هل تتحرك الأشياء لدى مغادرتي الغرفة؟ كيف يكون للغرفة التي أغادرها وجود وأنا خارجها؟ هل كل شيء موجود حقيقي؟ هل أنا الآن في حلم؟ هل يشعر كل شخص بنفسه كما أشعر أنا؟ هل أنا أشعر بنفسي؟ أنا أشعر بالألم .. وأخاف من الإصابات لأنني أشعر الألم .. أخاف من الآلام البسيطة في الدنيا … كيف يكون ألم عذاب الآخرة؟ يجب أن أبتعد عن المعاصي لأنال رضى الله .. كيف أستطيع أن أبتعد عن المعاصي يجب أن أتوكل على الله في إصراري .. أخشى أن أقع في التواكل .. يجب أن أطلب مساعدة ذوي الاختصاص .. من أستطيع أن أثق فيه في هذا الموضوع؟! ))

أجزم بأن أغلب من يقرأ هذا الموضوع طرح على نفسه سؤال: كيف وصلت إلى التفكير بهذه النقطة؟
(وأغلب الظن أن هذا التفكير كان كثيرًا ومتكررًا في الفترة التي تكون في أول أيام المراهقة)

ولعل القارئ حاول تتبع أفكاره، ليصل إلى الفكرة الأولى، ولكن أتعبه الامتداد أو شعر بعدم منطقية الفكرة التي وصل إليها …

كأن يقول: دخل علي أبي وطلب مني أن أفعل ذلك …

والسؤال الذي أطرحه:

متأكد أن الكثير ممن يقرأ هذا الموضوع طرح على الشخص المقابل له في الحوار السؤال التالي:
ما الذي قادنا لهذه النقطة؟

وتعيدون المشي إلى الوراء في المواضيع التي نوقشت، حتى تصلوا أو لا تصلوا!

ولكن …..
هل جربتَ يومًا أن تسأل: ما هو مصدر أفكاري؟ هل هذه أفكاري أم أفكار الكاتب الفلاني أم أفكار الشيخ الفلاني أم أفكار التلفزيون … أم أفكار معلمي أم أفكار أبي؟

هل تذكرُ نقاشًا (أو جدالاً) حاول أحدهم يومًا إسكاتك فيه بأن قال: أبي يقول “…..” – ولكي نجعل المثال عامًّا، ضع مكان أبي: أمي، جدي، عمي، أستاذي، شيخي، إلخ…

وهنا أرجو أن تقفوا معي وتحاولوا أن تقفوا معي خارج هذا النقاش ولنحاول أن ننظر إلى الميكانيكا خلف هذه الجملة، دعونا نستمع إلى أصوات التروس في هذا العقل، ولنحاول أن نلمس قوة السلاسل التي تربط بينها…
أتعلمون ماذا أجد؟
ميكانيكا تعمل بـ: الفكرة يجب أن يوافقها رأيٌ سابقٌ لمن هو أعلم مني بها … لتصبح حقيقة …
وهذا الشخص يكون ذا لسانٍ لا يخطئ، ورأي سديد دائمًا
من هو؟
أبي، جدي، معلمي، أمي، شيخي، إلخ!

ومحرك هذه الميكانيكا … والمحفز لها … والأداة الرئيسية اسمها: التبعية!

التبعية العقلية والاعتماد العقلي، هو أن ترمي بثقل التفكير عنك على شخص آخر … بدلاً من أن أفكر بطريقة ناقدة … أعطي لفلان هذا الجهد … وأخلص نفسي وعقلي من مهمة التفكير … وهنا ينشأ ما نعرفُه باسم: التطرف الفكري … الذي يقوم على منع العقل من التفكير وإلزامه بالتقليد .

هل جربتم أن تمسكوا صفحة الرأي بجريدة من الجرائد؟
اقرؤوا المقالات التي تطرح حلولاً لقضايا المجتمع المختلفة، وابحثوا بين ثناياها … ستجدون أن غالبية كتابها (وهم من جميع الفئات الفكرية أكانت دينية أو لا دينية) يطرحون آراء غيرهم ويدعون أنها الأمثل لحل مشاكل المجتمع …
وستجد تلميحًا وترميزًا إلى تخلف من لا يأخذُ بهذا الرأي … إلى ماذا تحوّل هؤلاء؟

أحسن الكلمات: مقلدين … أصبحوا مقلدين، يقلدون ما يقول فلان، دون العمل على تطوير الفكرة، كل ما يجري يقوم على وضع نفس الفكرة بصيغة مناسبة للحال المختلفة عن حال الفكرة الأصلية… ومثل هؤلاء لا يجيبك إلى أن يرد رأيك برأي يعجبه ..

والجدالات التي تدور مع مثلهم، تكون تصادمية ولا تكون بناءة، يحاول فيها كل طرف الاستشهاد بأكبر قدر ممكن من الآراء لنقد الرأي الآخر، دون اعتبار لاختلاف الأحوال التي تكونت فيها الأفكار الأصلية …

والجدالات العقيمة التصادمية تكون بأن يحاول كل طرف إثبات صحة ما يرى، ولو علم في قرارة نفسه خطأه، لأن الاقتناع برأي آخر يعني التنازل والهزيمة … والحوار البناء يكون بأن يحاول جميع الأطراف الوصول إلى أرضية مشتركة، وإلى موقف وسطي مشترك يستفيد منه كل المتحاورين.

ولعلك هنا تتساءل متى يتحول الجدال إلى جدال عقيم؟

عندما تكون به أيٌّ من النقاط التالية:
رفض البديهيات
رفع الصوت
استخدام اللغة الساخرة
الاستخفاف بالطرف الآخر
تكرار نفس الكلام
التنقل السريع بين مواضيع مختلفة لا صلة بينها

ومثل هذه الجدالات، الهروب منها أفضل … لأنها تضيع الوقت وتشوه الصورة لكثير من المتزنين … ولا خوف من ترك مثل هذه الجدالات، فكما أن الحلال بيّن والحرام بيّن، فالحق بيّن والباطل بيّن، ومن يريد الفكرة بيّن ومن يريد غير ذلك بيّن …

وما الذي يدفع مثلنا لأن يجادل بعنف، ويعتبر أن الفكرة لا تأتي إلا بفكرةٍ سابقة؟ إنه الاعتماد والتواكل … فكما أن البعض يعتمد على غيره اعتمادًا كليًّا في إحضار لقمة العيش، فإن البعض يعتمد أيضًا على غيره في التفكير

هل تساءلتم يومًا لماذا لا يصدر أغلب مثقفينا الكثير من الكتب؟

لعل أحد أهم الأجوبة، هو الكسل الذي تولد عن انعدام العراك الثقافي “الحقيقي”، والاعتماد الكلي على ما أصدره المتقدمون وما أصدره الغرب…

يقول أحدهم في حواره: قال ابن القيّم … فيرد الآخر: قال رولان بارت … هل يحتاج أيهما لأن يكتب كتابًا؟

لا تكنْ كلاًّ، على غيرك حتى في التفكير، لا تعتمد على ما قاله فلان وعلان، وكن أهلاً لهذا العقل الذي أنعم الله به عليك، ومرنه على قراءة الأفكار والآراء والأقوال والكتابات قراءة نقدية ناضجةً لا تدخلها العواطف ولا تثقلها الاعتقادات المسبقة …

كالذي لا يحكم عقله، ويجعله كثير الاستخدام للانطباعات المسبقة، ويقول مثلاً: من يستحق الثقة في هذا الزمن؟

دعونا نتتبع كيف وصل هذا إلى هذه الفكرة؟

نبدأ المشي في أفكار العقل، مشيًا إلى الوراء، خطوةً خطوة!

من أستطيع أن أثق فيه في هذا الموضوع؟

يجب أن أطلب مساعدة ذوي الاختصاص

أخشى أن أقع في التواكل

يجب أن أتوكل على الله في إصراري

كيف أستطيع أن أبتعد عن المعاصي

يجب أن أبتعد عن المعاصي لأنال رضى الله

كيف يكون ألم عذاب الآخرة؟

أخاف من الآلام البسيطة في الدنيا …

وأخاف من الإصابات لأنني أشعر الألم ..

أنا أشعر بالألم

هل أنا أشعر بنفسي؟

هل يشعر كل شخص بنفسه كما أشعر أنا؟

هل أنا الآن في حلم؟

هل كل شيء موجود حقيقي؟

كيف يكون للغرفة التي أغادرها وجود وأنا خارجها؟

هل تتحرك الأشياء لدى مغادرتي الغرفة؟

لماذا خرجت أصلاً من الغرفة…؟!

كما تعودنا في مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة على تتبع تسلسل أفكارنا … بنفس الطريقة، فلنبحث عن الأفكار السلبية في عقولنا ولنحاول تتبع مصدرها، ونقرأها مرة أخرى بطريقة نقدية، تحملنا على قبول ما جاءت به أو رفضه.

(( العنوان من كتاب للدكتور عوض القرني – والكَل: الثقل ))

كلهم كذلك!

18 يوليو 2010

لدى قراءتي لكتاب “مقالات الغلو الديني واللاديني” للدكتور محمد عمارة، استحضرت حديثا للدكتور طارق الحبيب عن سيكيولوجية الإرهابي، الذي ينتقل بلمح البصر من مفحط إلى متزمت، وأنا أتذكر هنا البعض ممن انتقلوا من متزمتين في الدين إلى متزمتين في اللادين، والطريف هنا أنني تذكرت حديثًا للدكتور عبد الله الغذامي خلاصته أن كل واحد من هؤلاء، المتزمت الديني والمتزمت اللاديني، يدعي الوسطية!!