سَنَة نمحوها بالسفر 8
8
_______________________________
واقفًا بين مرآتين، أبصرُ وجهي وشعرَ رأسي مئة ألف مرّة، مَنْ مِنّا يحدّقُ إلى مَنْ؟ أنا هناكَ، هنا، لا أنتهي، أتجدّد كطائر الرعدِ الهندي، هو الكونيّ، يطيرُ تيّاهًا في الأفق، يغضبُ رعدًا وغيثًا للقلوب، ويحبّ ليربطَ الكونَ بالكون.
رحلتُه الطويلةُ قصيرة. تقصر الرحلةُ من جدة إلى روما، وتطولُ من الرياض إلى مكة، وطريقُ المدينةِ يشقي أحيانا؛ لا بدّ لبلقيس من أن تنسى رحلتها إليّ، وعلى صديقتي العسيريّة أن تشدّ من أزري (هوِّنْ عليْكَ)، ولا بدّ لي من شكرِهما وحبيبتي، ولن أشتم أحدًا.
لن أشتم المرأةَ السوداء ذاتِ الجواهر والجمع الذين تجشّموا هدمي، لا تردّ الشتيمةُ ضائعًا ولا تحيي ميّتًا ولا تدفعُ عنّي طعنًا في الشرف، الشتيمةُ لا تحول بيني وبين حجارتِهم. شتَمْتُهُمْ في منامي، لكنني قلتُ لهم ساعةَ أفقتُ: لا تثريبَ عليكمُ اليوم، يغفرُ الله لكم.
لربّما تلاقينا في مجلسٍ أدبيّ في الجنة، يحضرُهُ أبو الطيب وأبو العلاء وأبو تمام، فنقرأُ الشعرَ لبعضنا، ونبوحُ بقصصنا مع النساء وعن النساءِ بلا ضغينة.
ولربّما سافرتُ في الجنةِ، من أقصاها إلى أقصاها، وقطعتُ ربوعها وبحارها وسماواتها، ولربّما استقبلتني أمي كما تستقبلني بعد كلِّ غيابٍ طويل؛ أبادرُها بقبلةٍ على جبينها وأخرى على ظاهر يمناها، فتحضنني وتقبّلني عشرينَ قبلةً على خدي / مرحبًا يا ابن بطوطة!
لم تقلْها أمّى راضيةً تمامَ الرضى، ولو تحدّث خَلَدُها لقال: والله ما تهنّيت فيك!/ ولكنها توسِعني قُبَلاً لدى اللقاء، وعندما أعلق شماغي تنظرُ إليّ نظرةً كُلُّها تحسُّرٌ، هي تعلمُ يا سادة أنّما أقفُ على واحةٍ في فلاةٍِ، لتشربَ إبلي وأملأَ القربَ، وبعْدَ قليلٍ ألبسُ الشماغَ وأواصلُ السفر.
قلتُ لفرانز سيورد: أريدُ أن أمدَّ قدميّ وأن أنامَ نومًا طويلاً. فقالَ: ليسَ بعْد، ليس بعْد.
سفري كثيرٌ ماضيهِ يا أحبتي، وباقيهِ أكثرُ مما مضى.
( انتهت )