فلانة الفلاني ..

جلوسي هنا ليس من أجل انتظار أحدٍ، أنا لمْ أنتظركَ ولم أنتظرْ أحدًا! لا أنتظرُ فارسَ أحلامي ولا منقذًا، في هذا الكرسيّ من الصالةِ، لا أنتظرُ إلا برنامجًا تلفزيونيًّا، لأهرُب من الصروفِ التي تثقل كاهل القويِّ ذي البأس والمرأةِ الصبور.

أنتظرُ، أنتظرُ، والمكانُ مشوّشٌ، لا يأتي البرنامجُ! يتغيرُ المكان فجأةً.. يختفي التلفاز أصلاً! دهرٌ مختلفٌ، ولا أحسّ بمضيّ المرحلة الانتقاليّة، أنا فقط، أنا جالسةٌ وحدي في قاعة الدرس.

أوراقي أمامي، أكتبُ وأحضّرُ، لأيّ شيءٍ، لِلاشيءٍ، لا أعلمُ ولا أبذل جَهْدي لأعلمَ ما أنا أكتب، لكنّ الغريبَ في رأيي كيفَ تفتح تلك المرأة الباب! كيف تمشي بخفّة، إلى الكرسي الذي يقعُ بجانبي، كيف تسحبهُ وتجلس عليه!

هذه قاعتي، قاعة درسي أنا، أنا من صنعتُها.. لا يحقّ للغرباء أن يجلسوا بها، إلا بعد إذني!

- لماذا جلستِ هنا؟! من تكونين؟
- أنسيتِني؟ أنا فلانة الفلانة..

اسمها غامضٌ، ألقيهِ على كل امرأة تمرّ بي، كل امرأةٍ لا أعرفها، لكنني أعرفها! أعرفها جيّدًا، شريط الذاكرة سار سريعًا إلى الخلف، أخرجها وأظهرَها، أعادها إلى الذاكرةِ بسرعة البرق: (فلانة الفلاني، بنتُ العائلة الغنيّة، ذاتِ الجاهِ والمال والشرف، كنا نركب السيارة معًا، يومًا ما من الماضي الغريب ركبناها، ركبنا سيارتها الفارهة، وملابسها، ما أجمل ملابسها، مضربَ الأناقة والفخامة) هي بجواري وملابسها رثة.. ملابسها رثة؟!

- ماذا جرى لكِ يا فلانة؟!
- لا شيء يذكر.. أزمة تذهب المال وتذهب العقل وترهق..
- ولم جئتِ هنا؟
- أطلب يدَ العون..
- منّي أنا؟
- الحاجة يا أختي
- ما مكنّي فيه ربّي خير.
- أريدُ وظيفةً وراتبًا ثابتًا..
- ما كنتُ صاحبَةَ شأنٍ وواسطة
- أريدُ مبلغًا كبيرًا، مبلغًا لا أطلبُ بعدَه أحدًا!

سكتْتُ لوهلةٍ، ثم قلتُ:
يا فلانةُ لا تسرفي الطلبِ، اطلبي هيّنًا، المرء يطلب المستطاع ليطاع، فاطلبي المستطاع، اطلبي المستطاع أُجبْ..

نظرَتْ إلى، وابتسمت، ولم تبقِني إلا لتضمّني إليها، ضمتني إلى صدرها طويلاً:
هنيئًا لي بصدقِك، هنيئًا لي بك، لم تماطلي كما فعلوا، ولم تساومي عمَلَهم، صدقتِ وكان خيرًا لي ولك..

هذا شيء، هذا موقفُ صدقٍ، أهذه أنا؟ شكرًا لهذه المرأة الغيبية، شي لهذه المرحلة. شيء ما غيّرَ وجهَ هذه المرحلة الانتقاليّة، لستُ في القاعةِ، ولا أنا في الصالة، في مرحلة انتقالية أنا! شكرًا لفلانة، شكرًا للصدق الذي أريده..

يمضي كلّ شيء، ولم يمضِ الكثيرُ، لا القاعة هنا ولا فلانة.. من هي فلانة؟ أنا؟ ومن أنا؟ أين الصدق من هذا؟ أين الصدق؟ أبتعدُ عن الغيبِ شيئًا فشيئًا، لا جديدَ في هذه الصالةِ، كلّ ما في الأمر أنني أنتظرُ البرنامجَ التلفزيونيّ، ولا أنتظرُ أحدًا!

أضف تعليقاً