العودة
هي جاثية ولكنها لم تكنْ خائفة، وهو مضطجع على جنبه، تقف على رجليها، وهو يجلس على الكرسي، يمشي من الغرفة إلى المطبخ متوتّرًا، وهي تتبعه أينما ذهب، ليست المرّة الأولى في إثره، إنما هي وراءه منذ أمدٍ، قبل أن يختلفا.. هو يأخذُ الجدال بجديّة، وهي تتربص بما يقول بحثًا عن الثغراتِ، هذه ثغرة في حديثه، وهذه ثغرة في قلبه، هذا شخص مختلف!
كنتُ أتابع حوارهما صامتًا منصتًا تارة وغافلاً أخرى، عجبتُ من هذا التشنّج والتصادم، ولم أعجب. هو من أبو ديس وهي من براغ، أبوه قلقٌ عليه في هذه الغربة، ولكنه رجل شهم – أحيانًا – قويّ أمين – أحيانًا – هي لم تسأله يومًا عن أبيه، والحديث عن أبيه ذو شجون، ولو ذكر جدّه لربما بكيت من الحنين إلى الشخص الذي لم تعرفه. هو غضوب، يلقي بالكلمة التي تمر بالخلد على الحوار، ولربما جرحها في حديثه ولم يكترث لماذا؟ ألها قلبٌ يجُرح؟ هي تكاد تستخفّ بكل ما يقول.. هو يريد الانتصار في هذا الحوار، وهي كذلك. هو رجل، وهي امرأة، بل كانت شيطانًا.
لا تظنّه كان غافلاً عنها، بل له شيطانيته الخاصة، وله انتماؤه، يريد أن يعود إلى أبو ديس، إلى مزرعة جدّه، يريد أن يركب الخيل كما ركبه جده، أن يحمل البندقية على ظهره كما فعل جده، أن يقطع الطريق على الخيل إلى البلدة القديمة، أن يعود متعبًا فيرى شجرة البرتقال المطلة على الطريق من مزرعته، فيهوي إلىها ويجلس تحت برد ظلها، هناك لا تضرب عينه الشمس، إنما يشعر ببرد الهواء، ويشم رائحة البرقال.. الديسي مشتاق لأبو ديس التي لم يرها إلى في حكايات جده وأبيه.
أمّا هي، فمتعجبة من حديثه ومن ولائه الذي ورثه ولم يجرّبه، لمَ يريد العودة إلى حيث لم يكن؟! هي لا تفكر في العودة يومًا إلى براغ، ولا تكترث لتاريخها. هي ولدت في فيلاديلفيا، بيضاء وتحبّ السمرَ، تشجع فريق الفيليز، وتكره اليانكيز، تقول له: أكرهُ اليانكيز كما تكره أنت الإسرائيليين! يكرهُ الإسرائيليين؟ هو لا يستحي أن يظهر كراهيته لهم، ولا يخجل من أن يقول أريدهم أن يخرجوا من الأرض، لأعود إليها، وهي لا تريد العودة إلى براغ، تركها أبوها وهاجر مع أمها إلى بلاد الأحلام، هي تذكر معالم وجه أبيها، ولا تريد أن تذكر الباقي منه، تقول له: أنت في بلاد الأحلام اليوم، لماذا تريد العودة إلى الأساطير؟!
هو غاضب من غبائها، وهي لم تحبب انتمائه، تقولُ له: “أين عقليتك الكونيّة؟ هل يأمرك دينك بأن تخرج الإسرائيليين لتعود إلى تلك القرية الصغيرة؟” يقول: “يأمرني دمي، يأمرني ضميري، يأمرني تراب تلك القرية وشجرة البرتقال المطلة على الطريق، حصان جدي، بيته الذي أخذ منه عنوة، كلها تريدني لأن الأرض والأشياء تشتاق دائما كما تشتاقين أحيانا ساعة العوز، هل قرأت الليكزس وشجرة الزيتون؟”
- لم أقرأها ولكنني سمعت عنها.
- أنا شجرة الزيتون، وستظلين، أنت، سيارة الليكزس.
- أنا سيارة الليكزس “اللعينة”!
هل قرأتَ شتمًا في قصيدة حبٍّ؟ أنا قرأتها، قرأتها عندما كتبت قصيدتها عنه، قالت: أريد أن أكون شجرة زيتون، ولكنني ما زلت سيارة الليكزس “المستهلكة”، سيارة اليكزس “اللعينة”. كيف أحببتهُ رغم ضيق مداه وقصر آفاقه!
كتبتها له، وقرأتها لي! ربّما أحبته حقًّا، وربّما أُعجبت بي، لن أتعجب كثيرًا، ولن يبدي استغرابًا، كلانا يعلم أنها غريبة الأطوار، غريبةً ولو نامت بين ساعديه الليلة. غريبةٌ ولذا يهرب منها؛ يريد العودة… فقد كان رجلاً وله جذورٌ تمتدّ في تراب أبو ديس، وهي امرأة له كانت من براغ، أو من فيلاديلفيا.
23 يوليو 2010 في الساعة 3:47 ص
أعجبتني جدًا. مقارنة بين الجذور وعدم الاكتراث بها. بين الحب والانتماء, وأي ينتصر.
لا بد للرجل العودة, فانتماؤه أقوى, هو منتم للأرض, وهي منتمية له. والأرض لها رواسي شاهقات, أما هو فله رجلين يمشي بها على الأرض ويثبت قدميه بها. معادلة صعبة!
شكرًا لك فيصل. نعود لك بإذن الله بمدى أوسع وسعة من الوقت.