ملك العرب في ضيافة رئيس الولايات المتحدة
قراءة في وثيقة لقاء الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت على ظهر السفينة كوينسي
في اليوم الرابع عشر من فبراير من عام ١٩٤٥ وبينما كان العالم يلفظ أنفاس حربه العالمية، كان الملك العربي عبد العزيز بن عبد الرحمن يعبر البحر لأول مرة في حياته من مدينة جدة ليلتقي رئيس الدولة المنتصرة في الحرب العالمية على ظهر السفينة كوينسي، يرافقه ثمانية وأربعون رجلا متشحين بثيابهم العربية ومتقلدي سيوفهم.
كان روزفلت عائدا من يالطا حيث كان مع ستالين وتشرشل، وكان يظن أنه سيقابل ملكًا بدويًا بسيطًا يستطيع إقناعه بحجته وشخصيته، نعم فلقد راهن روزفلت على سحره الشخصي - الذي كان يدركه ويدرك أثره - الذي سحر كثيرين من قبل، لكن كل ذلك تفاجأ بهيبة هذا الملك العظيم الذي وحد الجزيرة بقبائلها المتناحرة تحت حكم دولة واحدة بحنكته وحزمه، فكانت هاتان السمتان حاضرتين معه، ومعها هم عربي إسلامي عميق بهموم الأمة والمنطقة.
إن رجلا في عمري عاصر التغير الإعلامي في المنطقة عن قرب وعبر رحلاته قد مرت عليه الكثير من الافتراءات عن تاريخ وحاضر هذه البلاد، حتى يكاد يظن من يتابع بعض مزوري الإعلام والتاريخ أكانوا أفرادًا مثل هيكل وعزمي وعطوان، أم كانوا وسائل كشاهد على العصر، كل أولئك حشدوا وسائلهم لزرع فجوة بين العرب وبين المملكة، من خلال تصوير العلاقة السعودية الأمريكية على أنها علاقة تابع ومتبوع، مستخدمين لغة الإنشاء والصوت العالي، مخفين الحقائق كهذه الوثيقة التي أسست لبداية العلاقة وشكلها بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية

اليهود وفلسطين
تقول الوثيقة الرسمية من مكتب المؤرخ التابع لوزارة الخارجية الأمريكية إن روزفلت بادر بطلب نصيحة الملك في قضية اللاجئين اليهود، فلم يُداهنه الملك عبد العزيز ولم يُحِل الأمر إلى مستشاريه، بل قال ببساطة صارمة إن على اليهود أن يعودوا إلى الأرض التي طُردوا منها بعد هزيمة ألمانيا في الحرب بل دعا الرئيس الأمريكي لإعطائهم بيوتا في ألمانيا كتعويض عن البيوت التي فقدوها وختم اقتراحه بسؤالٍ كان يتبادر لذهن كل عربي مسلم إذ سأل الملك روزفلت: “لماذا يدفع العرب ثمن جريمة أوروبية؟”
لقد كان الملك عبد العزيز قويا في طرحه حتى قال ما كان صعبا طرحه على غيره في حضرة رئيس الدولة الأكبر في العالم المنتصرة في أكبر الحروب تاريخيا، لقد قال الملك عبد العزيز رحمه الله: “لا يمكن أن يتعايش العرب واليهود لا في فلسطين ولا في أي بلد آخر” وأضاف الملك الذي عاش مرحلة كبيرة من حياته يقود معارك توحيد المملكة وهو أعلم بما لدى العرب من أنفة واعتزاز بدينهم وعروبتهم: “سيختار العرب الموت على أن يتخلوا عن أرضهم لليهود.”
لقد فاجأ هذا الملك البدوي - كما في مذكرات الكولونيل ويليام إيدي - روزفلت فلم يعترض على كلام الملك، بل تظهر الوثيقة أنه اقتنع برأيه واقترح بولندا خيارا - التي قتل من أهلها الألمان ثلاثة ملايين يهودي - ووطنًا لليهود، وتعهد عندها روزفلت على أن لا يعين اليهود على العرب ووعد بأن لا يعادي العرب.
سوريا ولبنان
تؤكد الوثيقة أن الملك عبد العزيز كان مشغولا بقضايا الأمة كلها، فبعد فلسطين طرح نضال الثوار من سوريا ولبنان ضد فرنسا المستعمِرة، لقد طلب آنذاك موقفا صريحا من أمريكا المنتصرة في مواجهة فرنسا صديقة أمريكا وحليفتها في الحرب، فأجابه روزفلت أن فرنسا أعطته ضمانا مكتوبا باستقلال سوريا ولبنان، ووعده بمطالبتهم بالوفاء بكلمتهم، وأكد للملك أن أمريكا ستدعم تحرر البلدين من استعمار فرنسا.
الزراعة … أم فلسطين؟
لعل هذا الجزء من اللقاء هو أغرب جزء من هذا اللقاء التاريخي، فهنا يبدو أن روزفلت أحب أن يكسب صداقة الملك عبد العزيز بالحديث عما قد يكون مهما له، حيث أخبره عن شغفه بالزراعة، وعن رغبته واهتمامه بتطوير الموارد المائية وزيادة الأراضي المزروعة في البلاد العربية، لكن عبدالعزيز - وكما توضح الوثيقة - كان مشغولا بقضايا العرب، يفكر في فلسطين، ورد متسائلاً عن فائدة الزراعة والتنمية في إذا كان اليهود سيرثون هذا الازدهار.
الكل منبهر بهذا الملك
كتب الكولونيل ويليام إيدي في مذكراته التي نُشرت عام ١٩٥٤: “لم يُلمح ابن سعود ولو لمرة واحدة إلى طلب مساعدة اقتصادية أو مالية، جاء يبني صداقة ولم يكن يبحث عن الأموال، رغم أنه كان يحكم في ذلك الوقت أرضًا رعوية لا تنتج ما يكفي لإطعام سكانها، وكانت الحرب قد قطعتها عن استيراد ضروريات الحياة”، لقد كان الملك صريحا في كل كلماته، يبني صداقة بشرط أن تبقى المملكة مستقلة، فلقد أوضح أن المملكة لم تعرف الاستعمار يوما، لم تكن يومًا مستعمرة ومحمية من دولة أخرى، لم تعرف التبعية لدولة أخرى، فأي صداقة لا تحفظ للمملكة استقلال قرارها لم تكن مقبولة من هذا الملك.
لقد أبهر الملك عبدالعزيز الرئيس روزفلت والذي قال بعدها في خطابه إلى الكونغرس: “تعلمت عن الشرق الأوسط من حديثي مع ابن سعود لخمس دقائق أكثر مما كنت سأتعلمه من تبادل عشرات الرسائل”.
لكي لا نصدق تحريفهم
مرت ثمانون سنة وما زالت الوثيقة موجودة بلغتها الأصلية على موقع وزارة الخارجية الأمريكية وفي الأرشيف الأمريكي، ورغم ذلك لا يزال البعض يحاول تأليف الحكايات والقصص عن تلك المرحلة، مستغلين وفاة معظم من عاصروا تلك المرحلة، وفوق ذلك هم اليوم يحاولون ما حاولوه بالأمس، فيخترعون الروايات ويلفقون الوثائق ويبثّون الأكاذيب عن المملكة وعن قياداتها.
ولكن التاريخ لا يمحى بالأكاذيب، فالوثيقة تقول إن ملكا عربياً جلس أمام أقوى رجل في العالم في لحظة انتصاره فلم يُدارِه ولم يُجامله، بل قال له الحق كاملاً عن فلسطين وسوريا ولبنان ولم يطلب منه مالاً ولا مساعدة بل بنى صداقة وعلاقة دبلوماسية عظيمة متكافئة قائمة على الاحترام.
هذا هو الأساس الذي قامت عليه المملكة واستمرت عليه إلى يومنا هذا في علاقاتها الدبلوماسية: الندية لا التبعية، والوضوح لا المساومة، واحترام الآخر دون التنازل عن الحق.
رحم الله الملك عبد العزيز وملوك المملكة وحفظ الملك سلمان وولي عهده وأدام قوتها وعزها.


